كتاب الرأي

بين جيل “الواجب” وجيل “الاختيار”: هل كانت البيوت تُبنى بالحب أم بالمروءة؟

     ✍️عائشة السبيعي -كاتبة سعودية :

في ميزان العلاقات الإنسانية، يقف الزواج التقليدي القديم كظاهرة تستحق التعمق؛ فبالرغم من بداياته التي قد تخلو من الاختيار الشخصي في بعض الأحيان، إلا أنه أنتج بيوتاً كانت قمة في الاستقرار. لقد كان الزواج في ذلك الزمان أشبه بـ “البذرة التي تُدفن في التراب”، لا يعلم أصحابها يقيناً ما ستؤول إليه، لكنهم امتلكوا من العزيمة ما يكفي لسقيها بالصبر والمروءة حتى استقرت جذورها وأثمرت سكينةً.

نقطة التحول.. من “الفرض” إلى “أم العيال”:
لم تكن كل البدايات مفروشة بالورود، فكثير من تلك الزيجات بدأت بقرار الأهل أو في سنٍّ مبكرة، حيث تخرج الفتاة من بيت أبيها وهي لا تزال طفلة لتحمل مسؤولية بيتٍ كامل. ولكن، كان هناك “سر” يقلب الموازين؛ فبمجرد قدوم المولود الأول، كانت تنتهي في قلب الرجل قصة “الجبر” أو “عدم الرغبة”، وتبدأ قصة جديدة عنوانها: “هذه أم عيالي”. هذا اللقب لم يكن مجرد وصف، بل كان ميثاقاً يحول العلاقة من فرضٍ اجتماعي إلى شراكة مصير ووفاء، ويجعل الرجل يرى في زوجته رفيقة العمر التي تحمل اسمه وعرضه ومستقبل أبنائه.

مدرسة الفاروق: الوفاء والامتنان فوق لحظات الغضب
وهنا نستذكر منهج عمر بن الخطاب -رضي الله عنه- في إدارة البيوت بالفضل والمروءة؛ فعمر وهو في قمة انشغاله كخليفة للمسلمين، لم ينسَ الفضل والواجب الذي تقوم به زوجته، واعتبر أن كل تعبها وخدمتها يشفعان لها في لحظة غضب أو زعل. ففي تلك القصة الشهيرة حين جاءه رجل يشكو زوجته، فسمع صوت زوجة عمر يعلو على الخليفة، فلما سُئل عن ذلك، عدد عمر فضائلها قائلاً: “إنها خبّازة لخبزي، طباخة لطعامي، مرضعة لأولادي.. أفلا أصبر عليها؟”. وفي موقف آخر، حين صارحته امرأة بأنها لا تحب زوجها، قال لها: “ليس كل البيوت تُبنى على الحب، ولكن معاشرة على الحسب والإسلام”. لقد أدرك الفاروق بوعيه أن “الستر والمروءة” و”حفظ المعروف” هي الركائز التي تضمن كرامة الإنسان واستمرار الحياة، وأن البيوت تقوم على “الوفاء والامتنان” قبل أي شيء آخر.

عظمة “الواجب” فوق مشاعر “الزعل”:
ويتجلى نبل ذلك الجيل في الفصل التام بين الخلاف الشخصي وبين المروءة والواجب. فكانت الزوجة، حتى في لحظات الزعل والصمت الثقيل، لا تسمح لبيتها أن يتأثر. تقوم مع تباشير الفجر، بصمتٍ، تهيئ الدار وتعد مائدة الصباح بما جادت به النفس من كرم واهتمام،، وتصبُّ القهوة لزوجها بوقار وكأن شيئاً لم يكن. هذا هو “الأصل والطيب”؛ فالواجب عندها قيمة تعلو فوق تقلبات القلوب، والمروءة في خدمة شريك الحياة لا تنقطع من أجل “لحظة زعل”، بل تستمر لأنها هي عماد البيت وأساسه المتين.

صمت المحبين وحكمة العشرة:
إن قصص الوفاء المذهلة التي نراها في رحيل الأزواج في أوقات متقاربة—كما لو أن الروح رفضت البقاء دون رفيق دربها—بأنها ليست مجرد صدفة، بل هي “انكسار القلب” الذي يتبعه رحيل الروح؛ فبعد عقود من العشرة والتقاسم في كل شيء، تصبح الروحان كأنهما روح واحدة في جسدين، فإذا رحل الأول، لم تقوَ روح الآخر على البقاء وحيدة في دنيا غاب عنها رفيق الدرب.هي الشهادة الكبرى على أن “المودة والرحمة” قد تُصنع بالمواقف الصعبة والعشرة الطويلة. هؤلاء القوم لم تكن لغتهم الكلام المعسول، بل كانت لغتهم هي “البقاء” و”التضحية”، صُهرت أرواحهم في بوتقة الأيام، مؤمنين بأن البيوت تُبنى على القيم والمروءة قبل كل شيء.

الواقع الحالي.. وعيٌ جديد بروحٍ أصيلة:
أما اليوم، فنحن نعيش في زمنٍ أصبح فيه الزواج يقوم على “الوعي المتبادل”. الاختيار لا يزال في مجمله يحفظ قيمنا، وغالباً ما يكون عن طريق الأهل والسمعة الطيبة والبحث عن “الأجاويد” الذين نعرف أصلهم وفصلهم، وهذا هو جوهر الزواج عندنا. نحن اليوم نملك الوعي ونملك الاختيار بمباركة أهالينا، ولكن يبقى التحدي في أن نحافظ على تلك “المتانة والصلابة” التي ميزت بيوت زمان، لنبني أسراً قوية متفاهمة قائمة على الاحترام المتبادل الذي لا يزول بمرور السنين. فالأهم هو أن ندرك أن الحب الحقيقي هو الذي يُبنى يوماً بعد يوم من خلال المواقف الصادقة والوقوف معاً في الشدة، تماماً كما فعل الأولون.

للتواصل : [email protected]

غرفة الأخبار

مسؤول النشر والتدقيق 1

مقالات ذات صلة

‫4 تعليقات

  1. لخصتِ يا أستاذة عائشة معنى العشرة بأجمل صورة، حين تكون المروءة حاضرة، والوفاء ممتد في التفاصيل.
    أعجبني استحضاركِ لمنهج الفاروق رضي الله عنه في إدارة البيوت بالفضل قبل العدل.
    وكيف حولتِ الزواج من دور إلى وعي، ومن التزام إلى مساحة إنسانية دافئة.
    رسائلك هادئة لكنها عميقة، فالعلاقات ما تحتاج كمال، تحتاج صدق.
    شكراً لهذا القلم الرصين الذي أعادنا إلى دفء القيم الأصيلة.

    1. “خالص الشكر والتقدير لك أستاذ عبدالخالق على هذه الكلمات الراقية والقراءة المتأنية. شهادتك أعتز بها، وهي دافع للاستمرار في تقديم ما يلامس وعينا وقيمنا الأصيلة. ممتنة لمرورك .

  2. موضوع جميل جداً ويلامس شريحة كبيرة
    من المجتمع ومدى علاقتهم واستمرارها
    وكذلك الفرق الشاسع بين زواج الاولين
    والحاضرين والتباين بينهما
    لذلك نجاح اي زواج يعتمد على حب وتضحية ووفاء
    الزوجين لبعضهما البعض
    عندها تزول أثار الخلافات الجانبية ويبقى الاساس
    الذي ذكره الله في كتابه الكريم
    ( وجعلنا بينهم مودة ورحمة)
    شكراً استاذه عايشه ع الطرح المميز

    1. “أصبت أستاذ جبران، فالعشرة الطيبة قوامها الصدق والتضحية، امتثالاً لقوله تعالى: ﴿وَعَاشِرُوهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ﴾. وحين يغيب المعروف تضطرب العلاقات، وحين يحضر تسكن البيوت وتطمئن. ممتنة جداً لثنائك ولقراءتك العميقة التي تلامس جوهر الموضوع وأضافت له أبعاداً أجمل.”

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى