الفن حالة.. أم رسالة ؟!..
✍️ مها الشاعر – كاتبة سعودية :
يقول ميلان كونديرا : ” كاره الفن لا يحيا بسلام، إذ يشعر بأن وجود شيء لا يفهمه يهينه، فيكرهه” ..
يعرف البعض الفن في مختصره بأنه لغة عالمية للتخاطب والتفاهم ونقل الأفكار والمعلومات والأحاسيس ، وهو يعتبر مرءآة لثقافة الشعوب.
“يعتبر الفن سلوك إنساني يحمل قيماً استاطيقية (جمالية) ويخضع لأسس بنائية، وله دوافعه الإنسانية.
وبهذا نعرف بأن مفهوم تاريخ الفن : هو التاريخ البصري الاستاطيقي لتجارب الإنسانية ووسائلها في التعبير عن ذاتها، أو تسجيل انتصاراتها أو تحقيق طموحاتها.
والتاريخ هو ؛ الرصيد المتراكم لتجارب الإنسان، والتي بكشفها وتذوقها وفهمها يتعرف الإنسان على الكثير الذي يسهم في دفعه للتقدم والرقي.
ومثال ذلك؛ لا توجد حضارة واحدة عرفها الإنسان إلا وكانت وسيلة في التعرف عليها من خلال رموز فنية أبدعها الفنان.”
بدأ الاهتمام الفعلي بتاريخ الفن على يد المؤرخ والفيلسوف الروماني بلينيوس الأكبر منذ القرن الأول الميلادي، عندما اختص بكتابة التاريخ الطبيعي عن طريق دراسة الرسوم الجدارية، وكذلك النحت.
بينما بدأت دراسة تاريخ الفن عن طريق التعليم الأكاديمي في ألمانيا عام ١٨٤٤م ، وكان أول عالم قام بتدريسه هو العالم الألماني (G.F.WAAGEN) ، ثم بدأ بعدها في جامعة أدنبرة عام ١٨٧٩م ، ثم تلتها جامعة لندن متأخرة بعض الشيء عام ١٩٣٢م حيث تم إدراج تاريخ الفن كأحد أهم العلوم التي تقوم بتدريسها لطلبتها ، ومن ثم ختاماً في أمريكا مطلع القرن العشرين.
أما الفن الإسلامي فله بدايات متقدمة جداً حيث امتد من القرن التاسع حتى الرابع عشر، بينما كانت الفترة الثانية من القرن الخامس عشر وحتى التاسع عشر مروراً بعدة دول إسلامية، مثل الدولة الأموية ومن ثم العباسية ، وكذلك الأيوبيين والمماليك، ومن تبعها من الدول الإسلامية الأخرى كالفاطمية وغيرها.
وقد كان لكل دول طابعها الثقافي في الفن والنقوش، حيث كانت مظاهر الفن الإسلامي ترى في فن العمارة والبناء والزخارف ، في المساجد والقباب وكذلك المباني.
ولكن هنا عندما نتحدث عن الفن الحديث والذي تم حصره فيما يعرف بتاريخ الفن ، بينما البداية الحقيقية للفن كانت ما قبل التاريخ .
حيث تم تقسيم التاريخ إلى فترتين بناءً على معرفة الإنسان، إذ بدأ تدوين التاريخ عندما عرف الإنسان الكتابة واللغة بشكل عام ، وكما يعرف بأن اللغة بدأت عبر رموز كان يرسمها انسان العصر القديم للتعبير عما يجول في خاطره ، ومن هنا تكونت الرمزية والمسميات واللغة، ومن ثم الكتابة والتدوين .. عبر بوابة الفن .
حيث لم يكن يعرف هذا السلوك حينها باسم الفن، وإنما كان اللغة الأولى للتخاطب والتواصل، حتى تحول إلى الحروف المنطوقة بأصواتها ورسمها، والتي تطورت عبر الزمن لنعرفها بشكلها الحالي ، وبناء على ذلك أي بداية الكتابة و التدوين قسم العمر الزمني للبشرية على هذه الأرض إلى مرحلتين، وهما التاريخ وما قبل التاريخ.
التاريخ كما نعرف هو ما اعتمد على الوثائق والمدونات المكتوبة ولا يتجاوز أكثر من خمسة آلاف سنة من عمر الإنسان الحالي.
أما المرحلة الأهم والتي من خلالها كانت نشأة الفن وهي ما قبل التاريخ، والتي تعتمد معرفتنا ودراستنا لها عبر المكتشفات المادية من مخلفات الإنسان القديم والذي يمتد العمر الزمني لها إلى قرابة المليون سنة، مثل المصنوعات اليدوية، من الخشب والعاج والعظام والصخور الحجرية بشكل أكبر، عبر النقوش التي كانت ترسم على جدران الكهوف والمغارات، والتي قد وثق فيها صور من الحياة اليومية في تلك العصور.
حيث قسمت عصور ماقبل التاريخ ثلاث مراحل هامة جميعها تنسب إلى العصر الحجري وسمي بذلك نتيجة إلى تغلب الأدوات الحجرية فيها.
ابتداءً بالعصر الحجري القديم “الباليوليتيك” من ٦٠٠ ألف سنة إلى ١٢ ألف سنة ق.م.
حيث كان يتقاسم الإنسان في هذا العصر مع الحيوان أكثر أنواع الحياة بدائية، حيث كانت التنافسية في الصيد ما بين الإنسان والحيوان هي الوسيلة الوحيدة للحياة، ومن خلالها يتم الحصول على الطعام والملبس باستخدام وبر وجلود الحيوان، والتي تعتبر أقصى الغايات لإنسان ذلك العصر.
ثم تلت هذه المرحلة العصر الحجري المتوسط “الميزوليتيك” من ١٢ ألف سنة إلى ٨ آلاف سنة ق.م.
وهنا بدأت تظهر بعض معالم الفن، حيث كان مرحلة انتقالية من خلال الاستمرارية في صناعة شظايا حجرية كنوع من الأسلحة، بالإضافة إلى ظهور أشكال هندسية ثابتة بشكل متكرر، والتي عرفت بـ “فضلات المطبخ” وهي عبارة عن أكداس من القواقع وعظام الحيوانات، وأدوات وأسلحة صنعت من العظام والقرون والحجر، بالاضافة إلى بقايا النار المستخدمة للتدفئة والتنوير وطهي الطعام.
في هذه المرحلة وجدت رسوم في جنوب فرنسا وشمال إسبانيا وقيل في الصحراء الجزائرية أيضاً.
ثم العصر الحجري الحديث “النيوليتيك” من ٨ آلاف سنة إلى ٣١٠٠ سنة ق.م.
هنا أكتشف الإنسان الزراعة، ومن هنا تحول الإنسان من فرد الصياد فقط إلى نوع الصياد والزارع معاً، أو أحدهما دون الآخر مع وجوده ، ولكن لم يعد الصيد والحياة البدائية التنافسية مع الإنسان هي السبيل الوحيد للبقاء على قيد الحياة ،وهنا تشكلت ثقافة جديدة، ومعها ازدهر الفن وأصبح أكثر وجوداً وتقدماً.
في هذا العصر وجدت الرسوم مرسومة بالأصبع على الطين ، كما وجدت رسوم للحيوانات بخطوطها الملونة باللون الأسود الذي تم إنتاجه عن طريق حرق العظام، أو باللون الأصفر والأحمر المستخلصة من أكاسيد الحديد والمنغنيز، مما ساعد في رسم تفاصيل الحيوانات بدقة، وتحركات أكثر حيوية.
وكانت مغارة لاسكو في جنوب فرنسا من أهم وأروع الأمثلة على فن التصوير في تلك العصور، والتي ترجع إلى ١١٥ ألف سنة ق.م.
وكذلك كهف ألتاميرا الذي اكتشف عام ١٨٦٨م في شمال إسبانيا، والذي برز فيه عدد من الرسوم المكررة لحيوان البيزون أو البيسون كما يطلق عليه البعض، وجد باللون الأسود والأبيض والذي يعود إلى ٢٥ ألف سنة قبل الميلاد.
ولم يكتف انسان هذا العصر بعمل التصوير بالألوان، بل امتد الفن إلى النقش على العاج والصخور، ولعل أبرز ما يبرهن على ذلك هي تماثيل ” Venus Willendorf “، والتي عثر عليها في فرنسا ، وهي عبارة عن تماثيل صغيرة لأشكال نسائية، وكان من أهمها تمثال لامرأة بدينة يبلغ طوله ١١ سم، يمثل أحد آلهة الخصوبة حسب معتقداتهم في ذلك الزمان، وهو يعود إلى ٢٨ إلى ٢٥ ألف سنة ق.م ، وسمي بهذا الإسم نسبة إلى وجوده بالقرب من قرية ولندورف في النمسا.
ومن ذلك الحين حتى وقتنا الحالي لازال إكتشاف هذه الآثار التي تحكي لنا الكثير من قصص تلك العصور، وكيف كان شكل الحياة اليومية التي كانوا يعيشونها، وكيف هي طقوسهم في معابدهم ودورهم، وملبسهم ومأكلهم ومشربهم، كل هذا وأكثر عبر الفن ومن خلاله .
وبالعودة لليوم العالمي للفن والذي أقرت به منظمة اليونسكو في عام ٢٠١٩ بأن يوافق ١٥ إبريل من كل عام ، تخليداً لذكرى أبو الفن وأبرز فنانو عصر النهضة ليوناردو دافنشي . ولعل من أبرز الأسئلة التي تتبادر إلى الذهن في مثل هذا اليوم؛
هل الفن حالة .. أم رسالة ؟ أم يمكن للفن أن يجمع بين هذه وتلك في آن واحد ؟!
بناءً على السردية في بداية المقال والتي تعمدت الاسهاب فيها بعض الشيء بحثاً عن إجابة مقنعة إلى حد ما ..
أرى بأن الفن بدأ كرسالة ووسيلة تخاطب ملحة و وحيدة، حتى تحول عبر العصور ترفاً ورفاهية أكثر من أي شيء آخر، نتيجة لتوفر جميع البدائل التي تمتلك الأفضلية في الخطاب، ولعل من أبرزها وأهمها اللغة.
فهو بدأ كرسالة، ولا يزال في وقتنا الحالي يتناوب ما بين حالة ورسالة ، وقد يجمع ما بين الإثنتان في أحوال كثيرة لمن يدرك حقيقة الفن وما هيته .
وفي كل مقاصد الفن دائما ما نجد ، هناك حكاية تروى ولا تطوى عبر الزمن .
“رياض الفن”
أعلن سمو وزير الثقافة الأمير بدر بن عبدالله بن فرحان في سبتمبر الماضي من العام ٢٠٢٥، وخلال النسخة الأولى من مؤتمر الاستثمار الثقافي في الرياض عن إطلاق جامعة الرياض للفنون، والتي صدر فيها مرسوم ملكي في مارس من هذا العام الجاري ٢٠٢٦ يقضي باعتماد تأسيسها لتكون جامعة متخصصة في مجالات الثقافة والفنون تحت إشراف وزارة الثقافة.
منذ إعلان سموه عن إطلاقها في سبتمبر الماضي وقد بدأت توقيع اتفاقيات شراكة مع عدد من الأقسام والجامعات والأكاديميات العالمية المتخصصة في الفنون بكافة أنواعها.
فحق لمن يملك جبة والشويمس، ومنطقة حمى الثقافية، ووادي أبو عود، وباجدة، والعسيلة، ورواوة، ومأسل الجميص، وكهف برمة، وجمال شمال النفود، وقرية الفاو وحضارة كندة والتي تمتد لآلاف السنين أن يكون مصدراً للفن وجمالياته، وكاتباً لتاريخه ، بل ومصدِّرًا له.
فهذه ليست مجرد نقوش ورسوم اعتيادية مضى عليها الزمن وفي طريقها للإندثار، بل قرون من الحضارات عاشت على هذه الأرض، ضاربة في جذور التاريخ، وتروي الكثير عن علاقة إنسان هذه البقعة الجغرافية الخلاّقة منذ الأزل بالفن والجمال والإبداع، والحضور المختلف دائماً عبر معجزة الزمكان.
حيث يتحد الزمان والمكان هنا ليحكي تسلسل زمني عريق، ينبض بالحياة والقصص والآثار التي لازالت تتكشف لنا أعواماً تلو أخرى، بمنتهى الحضارة ولله الحمد.
فهنا تاريخ آخر للفن يجب أن يروى بحياكة أهله وصياغتهم، ولعل جامعة الرياض للفنون هي الخطوة الأولى التي يبدأ منها مشوار الألف ميل.
أما قبل؛ يتساءل ويجيب على نفسه في الوقت ذاته الناقد والكاتب الأديب فرناندو بيسوا، و بطريقته الساخرة المعتادة؛
“لماذا الفن بهذا الجمال؟ لأن لا غاية من ورائه، ولماذا الحياة بهذا القُّبح؟ لأنها مليئة بالغايات والأغراض والأهداف.”
أما بعد أقول أنا ؛ من الفن وإلى الفن .. وبالفن، تكمل عاصمة الجمال الرياض مسيرتها نحو عنان السماء، وبه تحيا وتزدان.
للتواصل : [email protected]



