كتاب الرأي

ابتسامة على عتبة الخلود

         ✍️عائشة السبيعي -كانبة سعودية :

الموت حق، وهو القنطرة التي تعبرها الروح من ضيق الدنيا وكدرها إلى جنات النعيم بإذن الله، حيث السعة التي لا تضيق، والنور الذي لا ينطفئ.”. نسأل الله دائماً أن يرزقنا “حسن الخاتمة”، تلك اللحظة التي تتجلى فيها كرامات الله لعباده، فتطمئن قلوب الأحياء بسلامة الراحلين.

لقد علمنا النبي ﷺ أن الموت ليس عدماً أو صمتاً مطبقاً؛عندما وقف ﷺ على “قليب بدر” —وهي البئر التي دُفن فيها قتلى المشركين— جعل يناديهم بأسمائهم: “يا فلان بن فلان، هل وجدتم ما وعد ربكم حقاً؟”. حينها سأله عمر بن الخطاب رضي الله عنه مستغرباً: “يا رسول الله، ما تُكلم من أجساد لا أرواح فيها؟ (أيسمعون؟)”، فأجابه ﷺ بيقين الوحي: “والذي نفس محمد بيده، ما أنتم بأسمع لما أقول منهم، ولكنهم لا يقدرون أن يجيبوا”.

هذا اليقين النبوي تعود دراسات العلم اليوم لتلامس أطرافه؛ حيث كشفت أبحاث (2024-2025) أن الدماغ يظل في حالة “وعي محبوس” ونشاط كهربائي مستمر لمدة تتراوح بين 3 إلى 10 دقائق بعد توقف القلب، وفي بعض الحالات تم رصد نشاط لمراكز السمع والوعي استمر لفترة أطول. وأكدت جامعة “كولومبيا البريطانية” أن السمع هو آخر حاسة تفقدها الروح، مما يعني أن الميت يسمع ويرى وجوه المودعين بوضوح يفوق إدراكنا.
ولعل أبلغ دليل على ذلك هو قوله ﷺ: “إنه لَيسمع قرع نعالهم” عند انصرافهم عنه في القبر؛ فالسمع هو الجسر .
الأخير بين الميت ،وأهله واقاربه
في ليلة جمعة مباركة، و قبل أحد عشر عاماً، تجسد هذا العلم وهذا اليقين أمامي بكرامةٍ لا تُنسى. دخلتُ “مغسلة الموتى” والقلب يعتصره الوجع، وحين رأيتُ أمي ملقاة على خشب الغسل وقد شارفن المغسلات على الانتهاء، صرختُ بأعلى صوتي صرخةً زلزلت كياني. احتضنتني أختي وطمأنتني، فخطوتُ نحو أمي بدموعي، انحنيتُ عليها، قبلتُ جبينها الطاهر، وهمستُ لها بدعواتي.

وهنا.. وبقسمٍ صادقٍ أمام الله، حدثت المعجزة؛ فمها الذي كان ساكناً ومنغلقاً، انفرج فجأة عن ابتسامة وضيئة اتسعت لأقصى مداها حتى ظهر طرف أسنانها بوضوح! ولم يقتصر الأمر على ذلك، بل رمشت عينها اليسرى رمشةً خاطفة، “ولأن قلبي كان ينشدُ الطمأنينة، نظرتُ إلى يدها، وتأملتُ أصابعها، فإذا بالسبابة قد انثنت في وضعية التشهد، ثابتةً على التوحيد، شاهدةً بأن ‘لا إله إلا الله’ كانت آخر عهدها بالدنيا، وأول بشرى للآخرة

في تلك اللحظة، اختلط حزني بفرحٍ عظيم؛ لقد سمعتني أمي، شعرت بوجودي، وردت على سلامي وقبلتي بلغة لا يتقنها إلا أهل الجنة. كانت تلك الابتسامة والرمشة والسبابة “بصمة وداع”ربانية ، وطمأنينة قذفت في قلبي أن خاتمتها كانت مسكاً، وأن الأرواح تتلاقى وتتحاور خلف ستار الغيب، بانتظار اللقاء الأبدي في رحاب الله.
إن تلك الابتسامة التي ارتسمت على ثغر أمي، وتلك الرمشة التي ودعتني بها، لم تكن مجرد رد فعل لجسدٍ فارقته الروح، بل كانت رسالةً من رب العالمين محتواها: “يا ابنتي، أنا بخير، وأنا أسمع نبضات قلبكِ قبل صوتكِ”.

لقد رحلت أمي بجسدها، لكنها تركت لي في تلك “المغسلة” زاداً من اليقين يكفيني لما بقي من العمر؛ يقيناً بأن الحب أقوى من الموت، وأن الروابط التي عُقدت بالوفاء والدعاء لا يقطعها لَحْدٌ ولا يواريها تراب.

واليوم، بينما أمضي في دروب الحياة، أستشعر قربها في كل سجدة ودعاء، وأنتظر ذلك الفجر الذي تتبدد فيه الحُجب، وتلتقي فيه الأرواح في جنات النعيم، حيث لا وجع فراق، ولا مرارة وداع.. هناك، حيث تكتمل الابتسامة التي بدأت “على عتبة الخلود”.

اللهم ارحم أمي رحمةً واسعة، واجعل قبرها روضة من رياض الجنة، واجمعني بها في الفردوس الأعلى من الجنة، واجعل خير أعمالنا خواتيمها.
وختامآ
إن هذا المسير ليس مجرد تتابعٍ للجمل، بل هو بحثٌ دائم عن المعنى في تفاصيل الحياة الصغيرة، وإدراكٌ عميق بأن كل تجربة نمر بها هي إضافةٌ لوعينا وبصيرةٌ تضيء لنا الدروب المعتمة. فنحن لا نكتب لنملأ الفراغ، بل لنلمس جوهر الأشياء ونمنح للعالم صوتاً يتردد صداه في القلوب العطشى للجمال والكمال.
وحيث ندرك أنه بين الكلمات،و المشاعر ليست مجرد حبرٍ على ورق، بل هي نبضٌ يستكين في أروقة الروح، ينتظر لحظة صدقٍ ليتحرر. إنها تلك اللغة الخفية التي تربطنا بالحياة وبالآخرين، وتعيد صياغة انكساراتنا لتصبح مناراتِ أمل. فما أجمل أن نترك لقلوبنا حرية البوح، ولأرواحنا رفاهية الشعور، ليبقى أثرنا طيباً كعطرٍ لا يزول، ونمضي وفي جعبتنا حكايا لم تُحك بعد، لكنها نُقشت بحروفٍ من نور في ذاكرة الزمن؛ فالحياة في جوهرها ليست إلا شعوراً صادقاً يتجاوز حدود المدى، ويستقر في عمق الأبدية.”

 للتواصل : [email protected]

غرفة الأخبار

مسؤول النشر والتدقيق 1

مقالات ذات صلة

‫2 تعليقات

  1. قطرات من الدموع عصرت قلبي لما قرأت وربطت قصة
    وفاة والدتك بوفاة والدتي ياااااه يارب أجبر قلوبنا
    واجمعنا مع من نحب بجنةٍ عرضها السماوات والارض
    اقاسمك الحزن سيدة الحرف. وفقك الله واسعدك

  2. “الأستاذ والزميل ؛جبران زويد العتيبي.. شكراً لفيض مشاعركم و مواساتكم، فقد كان لكلماتكم أثرٌ يربت على القلب في مصابه. ولقب ‘سيدة الحرف’ وسام أعتز به من كاتب نقي المشاعر مثلك. وكما قال تعالى: {وَبَشِّرِ الصَّابِرِينَ}، فالحمد لله على ما قضى. ولا أراكم الله مكروهاً في غالي، ونسأل الله العلي العظيم أن يجمعنا بوالدينا في جنات النعيم، إنه سميع مجيب.”

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى