سرٌّ من أسرار هندسة الطبيعة…

✍️عائشة السبيعي -كاتبة سعودية :
في بيتنا القديم، كانت للأشجار التي غرسها أبي لغةٌ خاصة، حروفها الأغصان وسطورها الأرض؛ فقد كانت جزءاً لا يتجزأ من تكوين البيت، تحجز لنفسها أمكنةً في زواياه ومساحاته الفسيحة وكأن البيت بُني لأجلها. استوقفني ذات يوم مشهدٌ لافت؛ كانت هناك شجرة ليمون كبيرة، تمتد أغصانها الغليظة في كل اتجاه، ورأيتُ أبي يضع أحجاراً ثقيلة بعناية في مفاصل تلك الأغصان، يُسكنها في زواياها لِيضبط اندفاعها، حتى استقرت هناك وكأنها وُجدت لتبقى، وصارت جزءاً لا يتجزأ من مظهر الشجرة وهيبتها. سألته بفضول الابنة: “لماذا تضع هذه الأثقال على غصنٍ قويٍّ كهذا؟”، فأجابني بحكمة الزارع وخبرة السنين: “لأجل أن تثمر.. فالغصن الذي يكتفي بالطول، يضنُّ علينا بالثمر”.
لم تكن تلك الأحجار مجرد أثقال عابرة، بل هي تطبيق فطري لتقنية زراعية دقيقة تُعرف بـ “تعديل زوايا الأغصان”. وبحسب أبحاث مراكز التطوير الزراعي في المملكة العربية السعودية، فإن إمالة الأغصان القوية وكسر حدة صعودها العمودي بواسطة الأثقال، يؤدي إلى تغيير مذهل في كيمياء الشجرة؛ حيث تتباطأ هرمونات النمو الخشبي وتتحفز الهرمونات المسؤولة عن تكوين البراعم الزهرية، مما يجبر الغصن الغليظ على التحول من مرحلة التمدد في الفراغ إلى مرحلة الإنتاج والعطاء.
إن ما كان يفعله أبي بفطرته، هو “هندسة حيوية” تدرسها اليوم كبرى الجامعات؛ فالعلم يثبت أن الغصن الذي يندفع نحو السماء بقوة، يستهلك طاقة الشجرة في قوة امتدادها لا في ثمرها. أما ذلك الغصن الذي انحنى تحت وطأة “حجر”، فهو الذي استجمع قواه في داخله ليخرج لنا ثماراً ناضجة.
تعلمتُ من دروس والدي في بيتنا القديم أن بعض الأثقال في حياتنا ليست عوائق، بل هي “إعادة توجيه” لمساراتنا؛ لتتوقف طاقاتنا عن الهدر، وتبدأ في النضج الحقيقي الصامت. فالحجر الذي نراه حِملاً، هو في الحقيقة “ميزان” يضبط استرسال الروح نحو التيه العابر، ليُعيدها إلى جوهر العطاء. تماماً كما تُجبر “ذرة الرمل” المؤلمة مَحارة البحر على صُنع اللؤؤ لتغليف أوجاعها، وكما يحول “الضغط الهائل” في أعماق الأرض الفحمَ المتواضع إلى ماسٍ نفيس؛ فإن الشدائد في الطبيعة هي قانون النضج الأسمى. لولا تلك الأثقال التي تضعها الأقدار في طريقنا، لظللنا ننمو في العلوّ دون عمق، ونمتد في المساحات دون أثر.
أدركتُ اليوم أن فلسفة والدي لم تُثمر ليموناً في فناء بيتنا فحسب، بل أثمرت في عقلي وقلبي هذا التأمل البديع الذي أكتبه الآن؛ فالحمد لله على “أحجار” وضعت في طريقنا، فمن وطأتها وُلدت الحكمة، ومن ضغطها تفجّر الصبر، وكما قال الشاعر “حافظ إبراهيم” في بيته الخالد:
“مَلأى السنابلِ تنحني بتواضعٍ .. والفارغاتُ رؤوسُهنَّ شوامخُ”
للتواصل : [email protected]



