رحيل الصرخة التي كتبتها الأصابع

✍️ ناهد شما – كاتبة أردنية :
“لا أحب الصراخ بحنجرتي، فصرختُ بأصابعي.”
بهذه العبارة الخالدة عرّفت الأديبة الراحلة كوليت خوري معنى الكتابة، وكأنها كانت منذ سنوات تكتب وصيتها الأدبية للعالم.
اليوم ترحل الجسد… لكن تبقى الصرخة.
رحلت الكاتبة التي آمنت بأن الكلمة ليست مجرد حبرٍ على ورق، بل روحٌ تمشي بين السطور. امرأة اختارت أن تقول ما يعجز عنه الكثيرون، لا بالصوت المرتفع، بل بالحرف الصادق الذي يصل إلى القلوب.
لم تكن كوليت خوري مجرد كاتبة، بل كانت صوتًا نسائيًا جريئًا في زمنٍ كان الصمت فيه أسهل من الكلام. كتبت عن الحب والإنسان والحرية، وفتحت أبواب الأدب أمام أجيالٍ كاملة من الكاتبات اللواتي وجدن في قلمها شجاعة الطريق.
واليوم، حين نقرأ عبارتها الشهيرة، نشعر أن أصابعها ما زالت تكتب…
تكتب في ذاكرة الأدب، وفي قلوب القراء، وفي كل قلمٍ آمن أن الحروف يمكن أن تكون أصدق من الصراخ.
ربما غابت صاحبة الأصابع التي صرخت بالحروف،
لكن تلك الصرخة لن تموت.
ستبقى كلماتها شاهدة على أن الكاتب لا يرحل حين يرحل جسده، بل يبقى حيًا في كل كتاب، وكل فكرة، وكل قارئ يتوقف عند جملةٍ فتوقظ داخله إحساسًا جديدًا.
رحم الله كوليت خوري…
التي علمتنا أن الصمت قد يكون أحيانًا أعلى صوتًا من الصراخ،
وأن الأصابع قادرة على أن تقول ما تعجز عنه الحناجر.حين تصمت الحناجر… وترحل الأصابع
“لا أحب الصراخ بحنجرتي، فصرختُ بأصابعي.”
هكذا اختصرت الأديبة كوليت خوري فلسفة الكتابة، وكأنها كانت ترسم لنا ملامح الطريق الذي سلكته طوال حياتها؛ طريق الحرف الصادق الذي لا يحتاج إلى ضجيج ليُسمَع.
واليوم… ترحل الأصابع التي صرخت بالحروف.
يرحل الجسد، لكن تبقى الكلمات شاهدة على زمنٍ كانت فيه الكتابة موقفًا، والقلم رسالة، والحرف نبضًا حيًّا لا يموت. فقد كانت كوليت خوري أكثر من مجرد كاتبة؛ كانت صوتًا أدبيًا جريئًا، وامرأة آمنت أن للكلمة قدرة على كسر الصمت، وعلى إيقاظ القلوب.
في زمنٍ كان فيه الكثيرون يفضلون الصمت، اختارت هي أن تكتب.
وفي زمنٍ كان فيه الكلام محفوفًا بالحذر، جعلت من قلمها نافذةً للحقيقة، ومن حروفها مرآةً للإنسان بكل ما فيه من حبٍ وألمٍ وحلم.
لم تكن كتاباتها مجرد نصوص تُقرأ، بل كانت مشاعر تُعاش. كلماتها كانت قريبة من القلب لأنها خرجت من قلبٍ يعرف جيدًا معنى الإحساس، ويعرف أن الأدب الحقيقي لا يولد إلا من الصدق.
واليوم، ونحن نودع هذه القامة الأدبية، ندرك أن الكتّاب الحقيقيين لا يرحلون تمامًا. فهم يتركون خلفهم أثرًا يشبه الضوء؛ قد يغيب صاحبه، لكن نوره يظل ممتدًا في الذاكرة.
لقد رحلت كوليت خوري، لكن الحروف التي كتبتها ما زالت تنبض بالحياة، وما زالت أصابعها – وإن توقفت – تواصل صراخها الجميل في كل كتابٍ تركته، وفي كل قارئ وجد نفسه بين سطورها.
رحم الله الكاتبة التي علمتنا أن الحرف يمكن أن يكون أصدق من الصوت،
وأن الصمت أحيانًا يكتب أجمل الكلمات،
وأن الأصابع حين تصرخ بالحقيقة… يبقى صداها طويلًا بعد الرحيل.
للتواصل : [email protected]



