كتاب الرأي

القلب… الدوّامة التي لا تُرى

         ✍️ صفية الملا _ كاتبة سعودية :

“في داخل القلب… تدور أشياء لا نراها، لكنها تعيد تشكيلنا كل يوم.”

ليس كل ما يمر بنا يسير بخط مستقيم؛ فبعض الأمور خُلقت لتدور وتلتف، جاذبةً كل ما حولها نحو مركزٍ خفيٍّ، وربما كان القلب هو أسمى مثال لذلك.
ففي عمق القلب، لا يقتصر الأمر على جريان الدم؛ فهو ليس مجرد عضو ينبض لإبقائنا على قيد الحياة، بل هو دوامة صامتة تتشكل فيها مشاعرنا وحكاياتنا وتجاربنا، ويعاد فيها صياغة العالم المحيط بنا.
من المثير للاهتمام علميًا أن حركة الدم داخل القلب لا تكون مستقيمة، بل تأخذ شكلًا حلزونيًا دائريًا يشبه الدوامة، فقد أوضحت أبحاث معاصرة، بالاعتماد على أساليب تصوير متطورة، أن الدم داخل البطين الأيسر يتحرك بنمط يُعرف بـ “التدفق الدوامي” (Vortex Flow)، وهو نمط يساعد القلب على ضخ الدم بكفاءة أعلى وبطاقة أقل.
وكأن ما نراه فيزيائيًا يعكس ما نعيشه شعوريًا. والحقيقة أن ما يصل إلى القلب يختلف عن تصوراتنا؛ فما يدخله لا يرحل كما دخل، بل يلتف ويتحوّل، ليعود إلينا بشكل مختلف، بصورة أعمق أو كأثر غير مرئي. نظن أننا تجاوزنا أحداثًا معينة، لكنها في جوهرها تظل فاعلة بداخلنا، تؤثر فينا بشكل تدريجي وصامت.
فالحزن، مثلًا، لا يدخل دون أن يغير شيئًا؛ بل يدور ويكبر ثم يستقر في زاوية خفية، لكنه يترك أثره في كل شيء. وكذلك الفرح، لا يمر مرورًا عابرًا، بل يلتف حول الروح، تاركًا خلفه دوائر من الضوء نستشعرها دون أن نفهم مصدرها أو منتهاها. ربما لهذا السبب نفاجأ أحيانًا بأننا لا نزال نشعر بشيء ظننا أنه انتهى؛ لأن ما يدخل القلب لا يخرج بخط مستقيم، بل يدور فيه وقد يبقى.
فالقلب دوامة خفية تجذب إليه كل ما نمر به: كلمة قيلت على عجل، نظرة لم تُفسّر، لحظة فقد، أو دعاء صادق في جوف الليل. كلها مشاعر تدخل، لكنها لا تبقى على حالها، بل تدور وتتغير، لتعود إلينا على هيئة شعور جديد.
قد يزداد عمق التجارب، أو ثقلها، أو نقاؤها.. قد نخرج من التجارب ونحن نظن أننا بقينا كما كنا، أو أننا تجاوزنا لحظات معينة، لكنها في الحقيقة تظل تدور في دواخلنا، تعيد تشكيلنا بصمت.
ربما لهذا السبب، كان القلب في لغتنا يُوصف بأنه “يتقلّب”… كدوامة لا تهدأ. ليس هذا ضعفًا، بل دليل على أنه حي. وفي خضم تسارع الحياة، نسعى للهروب من مشاعرنا، لإسكاتها، وإقناع أنفسنا بأنها ولّت… لكن القلب لا يغلق الأمور بسرعة؛ هو لا يطوي صفحة نهائيًا، بل يُدخلها في دورته حتى تنضج، أو تهدأ، أو تتحول إلى معنى جديد.
فلا تخف من قلبك… حتى إن أثقلك أحيانًا… فربما هو فقط يدور.
ولا تحزن إن وجدت نفسك تعود إلى نقطة أو شعور قديم ظننت أنك تجاوزته… فبعض الأشياء لا نخرج منها، بل نمرّ بها مجددًا… حاملين طبعة جديدة من ذواتنا.
القلب ليس هشًا كما نتصور، بل هو عميق… عميق جدًا. وعمقه هو ما يمنحنا إنسانيتنا. وفي جوفه، تدور الحياة كلها بهدوء لا يُرى وقوة لا تُقاس.
القلب… ليس مجرد نبض، بل هو دوامة خفية نعيش داخلها دون أن ندرك ذلك.
(في داخلنا تكمن أشياء لا تُرى، لكنها تغيّر كل شيء).

غرفة الأخبار

مسؤول النشر والتدقيق 1

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى