كتاب الرأي

أهل العوجا… بين عمق التاريخ ورجاحة القرار

       ✍️عبدالرحمن قحل _ كاتب سعودي :

“حنا هل العوجا ولا به مروات
شرب المصايب مثل شرب الفناجيل”
ليست عبارة أهل العوجا مجرد مفردة شعبية تتردد في العرضة السعودية، ولا هي بيت فخر عابر في قصيدة حماسية؛ بل هي توصيف تاريخي وهوية سياسية ضاربة الجذور في عمق الدولة السعودية. فالعوجا اسم قديم لبلدة الدرعية، مهد الدولة الأولى، ومنها انطلقت راية الحكم لأسرة آل سعود، فصار لقب “أهل العوجا” ملازماً لحكام هذه البلاد، دالاً على الامتداد التاريخي والشرعية الراسخة والارتباط بالأرض والإنسان.

حين يردد السعوديون “حنا هل العوجا” فهم لا يعلنون مجرد انتماء جغرافي، بل يستحضرون سيرة قيادةٍ عرفت كيف تحوّل المحن إلى منح، والتحديات إلى فرص، وكيف تحفظ للدولة هيبتها وتوازنها في أشد المنعطفات. إنها كلمة تختصر تاريخاً من الثبات، من أيام الإمام محمد بن سعود في الدرعية، مروراً بمرحلة التأسيس على يد الملك عبدالعزيز، وصولاً إلى عهد خادم الحرمين الشريفين الملك سلمان بن عبدالعزيز وسمو ولي عهده الأمير محمد بن سلمان، حيث تتجدد الرؤية وتتعزز المكانة الدولية للمملكة.

وفي ظل الحرب الأمريكية الإسرائيلية على إيران، تتجلى حكمة المملكة العربية السعودية في موقفها المتزن. فلم تنجر خلف صخب الشعارات، ولم تتورط في اصطفافات انفعالية، بل تمسكت بثوابتها القائمة على حفظ أمنها الوطني، وصون استقرار المنطقة، والدعوة إلى الحلول السياسية التي تجنب الشعوب ويلات الصراعات. هذا الاتزان ليس وليد لحظة، بل هو امتداد لمدرسة سياسية عُرفت بالحنكة وبعد النظر، تدرك أن الانفعال لا يصنع نصراً، وأن القرار الرشيد هو الذي يُتخذ بعقل بارد ورؤية شاملة.

“شرب المصايب مثل شرب الفناجيل” تعبير عن صلابة شعب اعتاد مواجهة التحديات بثقة لا تهور فيها، وبوعي لا ينساق خلف الشائعات. المواطن السعودي اليوم أكثر إدراكاً لطبيعة المرحلة، وأكثر تمييزاً بين المعلومة الموثوقة والحرب الإعلامية، مدركاً أن أمن وطنه خط أحمر، وأن استقراره نعمة تستحق أن تُصان بالكلمة المسؤولة والموقف الحكيم.

لقد أثبتت الأحداث أن قوة المملكة لا تكمن فقط في قدراتها العسكرية أو ثقلها الاقتصادي، بل في تماسك جبهتها الداخلية، وفي التفاف شعبها حول قيادته. هذا الوعي الجمعي هو الحصن الحقيقي في أزمنة الاضطراب، وهو الرسالة الأبلغ لكل من يراهن على تفكيك الصف أو إثارة البلبلة.

والرسالة إلى الشعب السعودي في ظل هذه الأوضاع أن يظل كما عهدته قيادته: ثابتاً، واعياً، واثقاً. أن يكون صوت العقل أعلى من ضجيج الفتنة، وأن يدرك أن الوطن أكبر من كل خلاف، وأبقى من كل أزمة عابرة. فالمملكة التي خرجت من رحم الصحراء دولةً راسخة، قادرة بإذن الله على عبور كل مرحلة، ما دام في شعبها هذا الوعي، وفي قيادتها تلك الحكمة.

حنا هل العوجا… إذا ضاقت الدروب اتسعت عزائمنا، وإذا اشتدت الخطوب ازددنا تماسكاً. هكذا كنا، وهكذا سنبقى.

غرفة الأخبار

مسؤول النشر والتدقيق 1

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى