كتاب الرأي

رمضان بين الأمس واليوم

     ✍️ عبدالرحمن قحل _ كاتب سعودي :

يأتي شهر رمضان كل عام حاملاً معه معاني الطمأنينة والتجدد، غير أن حضوره في حياتنا لم يعد بالصورة ذاتها التي عرفها الناس في السابق. فبين رمضان الأمس ورمضان اليوم، تغيّرت الإيقاعات وتسارعت التفاصيل، بينما ظل جوهر الشهر ثابتاً، يدعو الإنسان إلى التخفف، والمراجعة، والعودة إلى المعنى.

في الماضي، كان رمضان يتميّز بإيقاعٍ أبطأ، ومساحة أوسع للتواصل الإنساني. موائد الإفطار بسيطة، لكنها عامرة بالبركة، والزيارات عفوية، والقلوب أقرب إلى بعضها البعض. كان الشهر يُعاش بتلقائية، بعيداً عن الضجيج، وتُقاس أيامه بما تحمله من معانٍ لا بعدد الساعات. العبادات تؤدّى بخشوع طويل، والسهرات الرمضانية تجمع العائلة على الحديث والدعاء حتى الفجر.

أما اليوم، فيدخل رمضان إلى حياة مزدحمة، تحكمها السرعة وتطغى عليها التقنية. أصبحت الشاشات جزءاً من تفاصيل الشهر، وتحوّل كثير من اللحظات إلى محتوى موثّق أكثر من كونه تجربة معيشة. صار الوقت يبدو أقصر، والانشغال أكبر، وأصبح البحث عن السكينة تحدياً يومياً.

ورغم هذا التغيّر، لا يزال رمضان يحمل رسالته الأساسية: دعوة إلى تهذيب النفس، وتعميق الصلة بالله، ومراجعة مسار الإنسان مع ذاته ومع الآخرين. فالشهر الكريم لا يتغيّر، بل تتغيّر طريقة استقبالنا له. والاختبار الحقيقي اليوم هو القدرة على الحفاظ على روحه وسط الزحام، وصناعة لحظات خلوة ووعي في قلب الانشغال.

إن المقارنة بين رمضان الأمس ورمضان اليوم ليست دعوة للحنين بقدر ما هي تذكير بأن جوهر الشهر باقٍ، وأن الرحمة والسكينة لا تزالان متاحتين لكل من قصدهما بصدق. وبين زمنين تفصل بينهما الأعمار، يبقى رمضان مناسبة توقظ في الإنسان إنسانيته، وتؤكد أن النور لا يبهت، مهما تغيّرت الأزمنة.

غرفة الأخبار

مسؤول النشر والتدقيق 1

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى