كتاب الرأي

أنفال رمضان

   ✍️طاهرة الشامسي _ كاتبة عمانية :

حين يُطلُّ شهر الخير، لا يأتي كغيره من الشهور، بل يجيء كقافلةٍ من نور، تتقدّمها الرحمة، وتتبعها المغفرة، وتحفّها العِتق من النار. يأتي رمضان كأنّه نداءٌ سماويٌّ يوقظ في أرواحنا المعنى، ويعيد ترتيب القلب بعد طول انشغال. وفي هذا الشهر المبارك، تتجلّى لنا أنفال رمضان. أنفالٌ ليست من ذهبٍ ولا فضة، بل من سكينةٍ تُسكب في الصدر، ومن دمعةٍ صادقةٍ في جوف الليل، ومن سجدةٍ طويلةٍ تُغسل بها أوجاع العام كلّه.

أنفال رمضان هي تلك الطمأنينة التي تسري في البيوت عند أذان المغرب، حين تجتمع القلوب قبل الأجساد حول مائدةٍ بسيطة، فنكتشف أن البركة ليست في كثرة الطعام، بل في الامتنان، في الدعاء، في دفء العائلة.
أنفال رمضان هي القرآن حين يُتلى بخشوع، فتتفتّح له مغاليق القلوب، وكأن كل آيةٍ تقول لك: عد، لا يزال الباب مفتوحًا، ولا يزال الرحمن يناديك.

هي قيام الليل، حين يسكن الكون، وتبقى أنت وربك فقط، لا وسائط، لا ضجيج، لا أقنعة. هناك تُوزّع أعظم الأنفال: طمأنينة بعد قلق، ورجاء بعد يأس، وقوة بعد ضعف.

أنفال رمضان هي صدقةٌ خفية، تُخبّئها يدك عن أعين الناس، فتجدها يومًا ما نورًا يسعى بين يديك. هي كلمة طيبة،
وعفوٌ عن زلة، وصبرٌ على تعب، وابتسامةٌ في وجه محتاج.

في رمضان تتبدّل الموازين، اللحظة الواحدة تُكتب لك أجرًا مضاعفًا، والخطوة الصغيرة نحو الخير تكبر عند الله أضعافًا كثيرة. كأن السماء في هذا الشهر أقرب، وكأن الدعوات تصعد بلا حواجز.

يا رمضان ،،
يا شهر الأنفال الربانية، علّمنا أن الغنى غنى النفس، وأن الانتصار الحقيقي هو أن ننتصر على شهواتنا، وأن أسمى الغنائم هي أن نخرج منك بقلوبٍ أنقى مما دخلت. فاجعلنا يا رب من الفائزين بأنفال رمضان، ممن صاموا إيمانًا واحتسابًا، وقاموا حبًّا وشوقًا، وخرجوا منه وقد غُفرت ذنوبهم، وثبتت أقدامهم على طريق النور.

رمضان ،،
ليس شهرًا نعدّ أيامه، بل مدرسة نُعيد فيها تشكيل أرواحنا. فطوبى لمن أدرك أنفاله، وعاد منه بقلبٍ جديد.

للتواصل : [email protected]

غرفة الأخبار

مسؤول النشر والتدقيق 1

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى