كتاب الرأي

ما وراء الفلتر: انكسار الضوء بين حقيقة الواقع وغواية السنابيّ

✍️ حسن المقصودي – كاتب سعودي :

في الراهنِ الرقمي، حيث الكلمةُ صورةٌ والصورةُ حقيقةٌ بديلة، انبثقت ظاهرة “صناعة المحتوى السنابي” كقوةٍ ناعمة تشكل الوعي الجمعي، غير أن هذه القوة تنحرف عن مسارها حين تستحيلُ إلى “منشورٍ زجاجي” يعكسُ بريقاً مصطنعاً لا يدفئ ولا يُضيء. تبرزُ المعضلةُ الكبرى حين يتقمصُ “السنابي” دور الإعلامي في تغطية المهام الوطنية والقطاعات الخدمية، فيُغلّفها بهالةٍ من الكمال السريالي ولغة “التسويق السلبي”، بينما لا تزالُ شواهدُ النقصِ تئنُّ تحت وطأة الواقع وتصرخُ في وجه العدسة.
إننا أمام مشهدٍ من “التجميل الإقصائي”، حيث يمارس صانع المحتوى دوراً لا يمتُّ للإعلام بصلة؛ إنه يبيعُ “الوهم الوردي” في أكياسٍ دعائية، متناسياً أن الإعلامَ في أصله هو “عدسةُ الحقيقة” لا “فلترُ الإخفاء”. هذه التغطيات التي تلمّع القصور وتحيله نجاحاً باهراً، لا تخدعُ المتلقي الواعي بقدر ما تضللُ صانع القرار، وتحرمُ المؤسسة من فرصة التقويم الحقيقي، مانحةً الثغرات صكَّ غفرانٍ رقمي يمنعها من الإصلاح ويحجب عنها ضياء التطوير.
إن “السنابي” الذي يغترب عن الواقع يخشى خدش الصورة الذهنية لمحتواه، فيتحول من “ناقدٍ بصير” إلى “مُلمّعٍ لمسارٍ معوج”، وهو فعلٌ يمثل “خيانةً بصرية” للأمانة المهنية. فالوطن لا تخدمه الشعارات البراقة ولا “شهودُ الزور” الذين يرتدون أثواب الأناقة الرقمية، بل يحتاج إلى “مبضعِ جراح” يمتلكُه ناقلُ الخبر؛ ليسمي الأشياء بمسمياتها، مؤمناً بأن الكمال البشري خرافة، وأن الاعتراف بالتعثر هو أولى خطوات النهوض والسيادة.
لقد آن الأوان لكسر مرآة النرجسية التسويقية؛ فالمصداقية هي “العملة الصعبة” الوحيدة التي لا تخضعُ للتضخم الرقمي أو زيف المشاهدات. إن الرسالة الموجهة لأصحاب هذه المنصات هي أن كُونوا صوتاً للحقائق لا صدىً للأوهام، فالبناءُ الذي لا يخشى النقد هو الذي يتطاولُ في البنيان، والصدقُ هو الفلتر الوحيد الذي يبقى حين تنطفئ أضواء الهواتف، ويبقى الوطنُ هو الثابت الذي لا يقبلُ التجميل.
والسلام ؛؛؛

للتواصل : [email protected]

غرفة الأخبار

مسؤول النشر والتدقيق 1

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى