قاب يومين .. أو أدنى
✍️ مها الشاعر – كاتبة سعودية :
{ شَهْرُ رَمَضَانَ الَّذِي أُنزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ هُدًى لِّلنَّاسِ وَبَيِّنَاتٍ مِّنَ الْهُدَىٰ وَالْفُرْقَانِ ۚ } (185)
أثنى الله سبحانه وتعالى على شهر رمضان في مواضع عدة، واختصه بعدد من الفضائل ولعل من أهمها، نزول القرآن الكريم كاملاً في ليلة القدر إلى بيت العزة في السماء الدنيا، ومن ثم متفرقاً على مواقع النجوم كما روي عن ابن عباس رضي الله عنه وأرضاه، عندما سأله عطية بن الأسود عن آيات نزول القرآن في ليلة القدر، ولكننا شهدنا بأنه كان ينزل على الرسول متفرقاً، بالسنوات والأشهر حتى أتمه الله قبل وفاة الحبيب صلوات ربي وسلامه عليه.
ولكن رمضان ليس فقط نزول الوحي بالقرآن الكريم على سيدنا وحبيبنا محمد بن عبدالله، بل .. رمضان هو كل ذلك وأكثر .
فرمضان هو الشهر الذي اختصه الله بنزول جميع الكتب و الصحف على الأنبياء؛
“قال الإمام أحمد بن حنبل ، رحمه الله : حدثنا أبو سعيد مولى بني هاشم ، حدثنا عمران أبو العوام ، عن قتادة ، عن أبي المليح ، عن واثلة يعني ابن الأسقع أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : ” أنزلت صحف إبراهيم في أول ليلة من رمضان، وأنزلت التوراة لستٍ مضين من رمضان ، والإنجيل لثلاث عشرة خلت من رمضان ، وأنزل الله القرآن لأربع وعشرين خلت من رمضان ” .
واختُلف على عدد الأيام في روايات متعددة، ولكن جميعها تتفق على أن جميع الكتب نزلت على الأنبياء في شهر رمضان.
رمضان هو عندما شرع الآذان في السنة الأولى من الهجرة، عندما تحير الرسول باحثاً عن طريقة لإعلام الناس بأوقات الصلاة، ومن ثم أتت رؤيا بالحق إلى الصحابي عبدالله بن زيد رضي الله عنه وأخبر بها الرسول.
فأرسل صلوات ربي عليه إلى بلال بن رباح، حيث كان أنداهم صوتاً وجهوراً، وأمره بأن ينادي بذات الصيغة التي رآها عبد الله بن زيد في منامه، للنداء للصلوات بأوقاتها.
رمضان أيضاً هو سرية حمزة بن عبدالمطلب رضي الله عنه في السنة الأولى من الهجرة، أو ما تعرف بسرية سيف البحر، وهي أول سرية أرسلها الحبيب صلوات ربي وسلامه عليه بقيادة حمزة لإعتراض عير قريش القادمة من الشام، والتي انتهت دون قتال وذلك لوجود مجدي بن عمرو حليفاً للفريقين.
ولا زال يأتي هؤلاء وأولئك حتى حجز بينهم وعاد كلاً إلى قافلته وقومه دون قتال.
وكان لواء حمزه في هذه السرية باللون الأبيض، وهو أو لواء في الإسلام يعقده نبي الأمة وسيدها، وقد حمله أبا مرثد الغنوي رضي الله عنه.
رمضان هو غزوة بدر الكبرى في السنة الثانية من الهجرة، والتي انتصر فيها المسلمين انتصارا عظيماً، حيث كان فيها مصرع أبي جهل “عمرو بن هشام”، وأمية بن خلف، والعاص بن هشام بن المغيرة وكانوا من أكابر قريش وساداتها، ومن أشدهم بطشاً على الإسلام والمسلمين، وبقتلهم أصبح للمسلمين مخافة أكبر في قلوب المشركين في قريش وغيرها.
رمضان هو عندما نزلت في السنة الخامسة من الهجرة البراءة للطاهرة أم المؤمنين وزوج النبي عائشة رضي الله عنها وأرضاها ، من حادثة الإفك التي اتهمت فيها بعد منصرفهم من غزوة بني المصطلق وقيل “المريسيع”، التي حدثت في شهر شعبان من العام ذاته.
رمضان هو إعداد المسلمين وتجهيزهم لغزوة الخندق أو غزوة الأحزاب، والتي تحالف فيها أعداء الإسلام أشد تحالفا من عرب وأحابشة ومشركين ويهود وغيرهم، والتي وقعت في شوال من السنة الخامسة للهجرة أيضاً.
وقد نصر الله فيها المسلمون دون قتال، حيث أرسل أشد الريح التي بثت في نفوس الأعداء الرعب والخوف مما قد يقع بهم، حتى عادوا أدراجهم بعد حصارهم للمسلمين لقرابة الشهر .
رمضان هو سرية أبي بكر الصديق في السنة السادسة من الهجرة، عندما سار في عشرين رجلاً إلى وادي القرى، بأمر من الحبيب صلوات ربي عليه، وذلك بسبب اعتراض أهلها لعدد من صحابة رسول الله بقيادة زيد بن حارثة وقد قتلوا عدد منهم.
فخرج لذلك الصديق ومن معه لأخذ ثأرهم ولإثبات حرمة دم المسلم، فأغاروا على أهل القرى وقتلوا منهم وأسروا، وغنموا الغنائم وعادوا منتصرين.
رمضان هو سرية غالب بن عبدالله إلى الميفعة في السنة السابعة من الهجرة، حيث قام أهلها بإثارة الفتنة واستغلال إنشغال المسلمين بمعاركهم مع قريش ويهود خيبر، وقاموا بحملات سلب ونهب للمسلمين، مناقضين بذلك عهدهم مع الرسول.
وانتصر في ذلك الصحابي غالب ومن معه حيث كان عددهم كما قيل ١٣٠ رجلاً من المسلمين رضي الله عنهم.
وفي ذلك حدث مقتل أسامة بن زيد لمرداس بن نهيك بعد نطقه للشهادة، وقال الرسول بأبي وأمي هو قولته الشهيرة ؛ “أفلا شققت عن قلبه؟!” وغضب فيها غضبا شديدا ، وفيها أيضاً نزلت آية ٩٤ من سورة النساء، واختلف في ذلك ، وقيل نزلت في محلم بن جثامة في موضع آخر مشابه لها سيذكر أيضاً.
رمضان هو فتح مكة ، الفتح الأعظم للإسلام والذي حدث في السنة الثامنة من الهجرة ، وكان ذلك رداً على نقض قريش لصلح الحديبية، وذلك بمعاونة حلفائها بنو بكر في قتال بنو خزاعة حلفاء المسلمين لرد ثأر قديم لهم، فأسرع عمرو بن سالم الخزاعي إلى المدينة ، وأخبر النبي صلى الله عليه وسلم بغدر قريش.
فأعد لذلك صلوات ربي عليه جيش قوامه قيل ١٠ آلاف مقاتل ، وقيل اثنى عشر، ودخل مكة فاتحاً دون قتال، وكان نصراً مؤزراً للمسلمين، وحطمت فيه أصنام قريش التي كانت حول الكعبة، وأمر الرسول بلال أن يصعد ويؤذن على ظهر الكعبة، وفي اليوم التالي خطب بالمسلمين فيها، وبين معالم الدين وحرمة البلد الأمين ، وبايعه الرجال والنساء من أهل مكة، وأقام بها ١٩ يوماً وقيل ١٧، أعاد فيها معالم الإسلام، ومن ثم عاد ليستقر بطيبة الطيبة.
رمضان هو سرية أبي قتادة بن أضم من العام نفسه عام الفتح، والتي وقعت في رمضان قبل فتح مكة، حيث بعث النبي أبا قتادة ومعه ثمانية من النفر إلى بطن إضم للتمويه والتعمية، ليعتقد المشركين بأن توجه النبي ومقصده إلى هناك، وهنا نرى دهاء القائد وحنكته صلوات ربي وسلامه عليه.
وفيها قيل قتل محلم بن جثامة الليثي أحد رجال أبا قتادة المسلمين، عامر بن الأضبط الأشجعي عندما مر بهم وحياهم بتحية الإسلام، رغم أنه لم يكن على دينهم، وقتله معتقداً بأنه فعل ذلك متقياً للقتل، ولو كان في موضع غير ذلك لقاتلهم، وفيه قيل نزلت ذات الآية التي اختلف في موضع نزولها ؛ { يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا ضَرَبْتُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَتَبَيَّنُوا وَلَا تَقُولُوا لِمَنْ أَلْقَىٰ إِلَيْكُمُ السَّلَامَ لَسْتَ مُؤْمِنًا تَبْتَغُونَ عَرَضَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا فَعِندَ اللَّهِ مَغَانِمُ كَثِيرَةٌ ۚ كَذَٰلِكَ كُنتُم مِّن قَبْلُ فَمَنَّ اللَّهُ عَلَيْكُمْ فَتَبَيَّنُوا ۚ إِنَّ اللَّهَ كَانَ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرًا} (94).. سورة النساء .
رمضان هو هدم خالد بن الوليد للعزى ، وعمرو بن العاص لصنم هذيل سواع، وهي من أشهر أصنام المشركين، بأمر من النبي في عام الفتح أيضاً السنة الثامنة من الهجره.
رمضان هو وفادة ثقيف وملوك بني حمير إلى النبي لإعلان إسلامهم في السنة التاسعة من الهجرة، وهم من سادات قبائل العرب وأشدها عتواً.
وفي السنة ذاتها تم هدم اللات، وهو صنم ثقيف الأشهر، والمذكور في القرءآن كسابقيه.
رمضان هو فتح الأندلس في العام ٩٢ من الهجرة ، على يد طارق بن زياد وموسى بن النصير وتم ضمها للخلافة الإسلامية، ويعتبر من أعظم فتوح المسلمين بعد فتح مكة.
رمضان هو موقعة الزلاقة التي حدثت في الخامس والعشرين من العام ٤٧٩هـ ، والتي انتصر فيها المسلمون بقيادة يوسف بن تاشفين على جيش الفرنجة، البالغ ثمانين ألف مقاتل بقيادة السادس ملك قشتالة، وكان من أكبر الجيوش عدة وعتاداً التي واجهها المسلمون .
رمضان هو موقعة عين جالوت في يوم الخامس عشر من سنة ٦٥٨هـ بقيادة السلطان قطز، سلطان المماليك في مصر وكانت من أشهر المعارك الإسلامية، والتي انتصر فيها المسلمين انتصاراً عظيماً على جيش المغول المتجبر، والذي أوقع بالمسلمين أشد الأذى التنكيل، وفيه تم توحيد بلاد الشام ومصر وتطهيرها من المغول وآثارهم.
رمضان ليس كل هذا فقط ، بل وأكثر من ذلك .
رمضان ليس فقط إمساك عن الطعام نهاراً ، وقيام بالليل .
رمضان هو رحمات تتنزل كل يوم، ومغفرة ترجئ في السموات والأرض ، وعتق من النيران .
رمضان هو الألفة والسكينة، والرحمة التي تنتشر فتعم الأمة.
و قلما تجد فيه عابساً أو بذيئاً، أو سيء خلق في هذه الأيام الفاضلة.
فصبغة الرحمة والمغفرة تطغى، وتملئ القلوب عفواً وعافية، والأنفس طهراً و تفانياً ، في بذل المعروف ، ونفع الناس ، وبث الإحسان والخير، وتطبيعه في القلوب.
رمضان هو غسل الروح وتنقيتها من الخطايا والذنوب بالعبادة والطاعة ، كما تغسل الأجساد من الدنس بالماء البارد النقي.
فطوبى لمن غنم هذا الشهر الفضيل وما ضيعه، وأخذ منه عدته وعتاده من العمل والتقوى، وتطهير النفس، لما مضى من عام آفل، ولما هو قادم من عام جديد، حتى يبلغه الله رمضان آخر بمنه وجوده، إن كتب له ذلك.
أفلا شققت عن قلبه ؟!
فيما ذكرنا آنفاً حادثة قتل أسامة بن زيد لأحد المشركين في سرية غالب بن عبدالله إلى الميفعة، رضي الله عنهم أجمعين.
حيث كان أشد قومه على المسلمين، وعندما لحقا به أسامة وأحد الصحابة الأنصار، وأشهرا سيفهما عليه ذكر الشهادة، فأعرض عنه الأنصاري وأغار عليه أسامة بن زيد بالسيف فقتله، وعندما لاموا عليه الصحابة، شعر ببعض الندم وأخبر النبي بما حدث عند عودتهم، وغضب الرسول غضباً شديداً من أسامة بن زيد وقال عبارته الشهيرة ؛ أفلا شققت عن قلبه ونظرت إليه ؟!..
” كان رسول الله صَلَّى الله عليه وسلم يحبُّ أُسامة ويحب أن يثني النّاس عليه خيرًا إذا بعثه بعثًا، وكان مع ذلك يسأل عنه، فلما قتل هذا المسلم مرداسًا لم تكتم السّريّة ذلك عن رسول الله صَلَّى الله عليه وسلم، فلما أعلنوه بذلك رفع رسولُ الله صَلَّى الله عليه وسلم رأسه إلى أُسامة، فقال له: “كَيْف أنْتَ وَلَا إِلَه إِلَّا الله”! فقال: يا رسول الله، إنما قالها متعوّذًا. فقال رسول الله صَلَّى الله عليه وسلم: “هَلَّا شَقَقْتَ عَنْ قَلْبِهِ، فَنَظَرْتَ إِلَيْهِ؟!
فَوَ الَّذِي بعثه بالحق نبيًا ظل يرددها عَلَي حتى لَوَدِدْت أَن ما مضى من إِسلامي لم يكن، وأَني أَسلمت يومئذ ولم أَقتله “.
يكثر في مثل هذه الأيام الفضيلة أن نرى من الآخرين مما ليس من خلقه ودينه، وهناك من يصدر الأحكام ، هذا منافق ، وذلك مرائي، وتلك متصنعة .. وإلى آخره .
دعوا الخلق للخالق، وليس أشد إثماً ممن يتألى على الله ، ويقف بينه وبين خلقه.
لكل منا مهما بلغ من التقصير باب بينه وبين الله، لا يعلمه إلا هو سبحانه، فلا تغلقوا أبواب رحمة وهداية فتحها الله لخلقه في هذه الأيام الفاضلة.
في فتح مكة عندما علم حاطب بن أبي بلتعة بغزو المسلمين لقريش وله أهل فيهم، أرسل بكتاب لقريش ليحذرهم، وأنزل الله الوحي على الرسول ليخبره بذلك، وكما يعرف عن باقي الرواية.
حينها غضب عمر بن الخطاب غضباً شديداً عندما علم بذلك، وطلب من الرسول أن يسمح له بأن يضرب عنقه بالسيف، لأنه خان الله ورسوله والمؤمنين”كما يرى الفاروق” رضي الله عنه.
فماذا أجاب الحبيب ؟! وهو الذي أنزل الله عليه الوحي ليخبره بالمرأة التي تحمل الكتاب ..
قال صلوات ربي وسلامه عليه ؛ ” إنه قد شهد بدراً، وما يدريك لعل الله اطلع على من شهد بدرا فقال: إني غفرت لكم فاعملوا ما شئتم”..!
تخيل نبي الله من يتنزل عليه الوحي، يتنزه عن هذا الفعل، رغم فضاعة ما قام به حاطبة ، وعظم أثره على المسلمين إن كان قد بلغ الكتاب لقريش ..!
فمن نحن حتى نثني الخلق عن أن يجددوا عهودهم مع الله، وأن ينقوا ما بلي منها بالإثم والخطايا والرزايا، بعظيم كرمه ومنه في هذا الشهر الكريم ؟..
فقد يكون لأحدهم بدراً عند الله أعظم مما لديك، وإن كان ظاهره يوحي لك بعكس ذلك.
للتواصل : [email protected]



