كتاب الرأي

الشماتة والطغيان… حين يعود الفعل إلى صاحبه

      ✍️علي مديني السيد – كاتب سعودي :

في حياة الناس مشاهد تتكرر: سقوط متكبر، وانكسار شامت، وتبدّل أحوال لم تكن في الحسبان. ليست مصادفات عشوائية، بل نتائج طبيعية لقانون ثابت في الحياة: الجزاء من جنس العمل.

الشماتة ليست قوة كما يظن البعض، بل ضعف مستتر. من يشمت بغيره يكشف عن خوف داخلي ورغبة في تعويض نقصٍ ما. الفرح بسقوط الآخرين لا يرفع قدر الإنسان، بل يضعه في مستوى المقارنة الدائمة. والواقع أن من يعتاد الشماتة يصنع حوله دائرة من الترقب والعداوة، ينتظر فيها الآخرون لحظة تعثره ليردوا له الشعور نفسه. هكذا تتحول الشماتة إلى دينٍ مؤجل السداد.

أما الطغيان فهو مرحلة أخطر. يبدأ حين يمتلك الإنسان سلطة أو نفوذًا أو مالًا، فيتوهم أن المكانة حق مكتسب لا يُسأل عنه. الطغيان لا يولد فجأة؛ إنه يتغذى على غياب المحاسبة، وعلى الصمت، وعلى شعور زائف بالأمان. لكن التاريخ والواقع يؤكدان حقيقة واضحة: لا شيء يدوم لمن يتجاوز حدّه. الطغيان قد يصعد سريعًا، لكنه يسقط سقوطًا مدويًا لأنه قائم على ظلم، والظلم بطبيعته هش.

الجزاء من جنس العمل ليس شعارًا أخلاقيًا فقط، بل قاعدة عملية. من يزرع الاحترام يحصد احترامًا، ومن يزرع الإهانة يحصد إهانة. من يرفع الناس يرتفع معهم، ومن يحتقرهم يعزل نفسه دون أن يشعر. الأفعال تبني سمعة، والسمعة تبني مصيرًا. والإنسان هو من يخط ملامح مستقبله بتصرفاته اليومية.

المجتمع الواعي لا يشمت، ولا يصفق للطغيان، ولا يبرر الظلم. بل يدرك أن الكرامة قيمة مشتركة، وأن العدل مصلحة للجميع. كل إنسان قادر أن يختار موقعه: إما أن يكون سببًا في نشر القسوة، أو جزءًا من صناعة التوازن.

الحياة دول، والقلوب تتقلب، والمواقف تتبدل. الثابت الوحيد هو أثر العمل. لذلك كن حذرًا فيما تزرع، لأن الحصاد قادم لا محالة. اختر أن تكون عادلًا، متزنًا، قويًا بأخلاقك قبل قوتك بمكانتك. هذا هو الطريق الآمن في دنيا تتغير بسرعة، لكنه قانونها لا يتغير.

للتواصل مع الكاتب : [email protected]

غرفة الأخبار

مسؤول النشر والتدقيق 1

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى