نعم أم نقم

✍️ عبدالله بن محمد الزبيدي – كاتب سعودي :
تُعد النعم عطايا ربانية وهبات قدرية تُزين حياة الإنسان، لكنها في جوهرها سلاح ذو حدين؛ فهي إما مراكب للنجاة والرقي، أو قيود تؤدي إلى الهلاك إذا أسيء تدبيرها.
إليك مقالة أدبية تتناول هذا المفهوم بعمق:
إن المتأمل في أحوال البشر يجد أن أشد الفتن ليست في الحرمان، بل في العطاء. فالنعمة في أصلها “اختبار” قبل أن تكون “استقراراً”. حين يغدق المنعم على الإنسان من وافر كرمه سواء كان علما ، أو مالاً، أو صحة، أو جاهاً، أو حتى وقتاً فإن هذه النعم لا تأتي كغايات نهائية، بل كأدوات لبناء المعنى .
تتحول النعمة إلى نقمة حين ينقلب دورها من “وسيلة” للإعمار إلى “غاية” للانغماس .. حين يغلب البريق بصيرة العقل.
• المال: الذي وُجد ليكون قواماً للحياة ويداً للخير، يصبح نقمة إذا تحول إلى كنزٍ يورث الكبر، أو وسيلة للطغيان، فيسجن صاحبه في جدار من القلق والخوف من الزوال.
• الصحة والشباب: إن لم تُستثمر في العمل والبناء، تحولت إلى فراغ مفسد، يجر المرء نحو التهور والاستهتار، حتى يصحو المرء على جسدٍ خاوٍ وروحٍ أرهقها العبث.
• العلم والذكاء: حين يُستخدمان للخديعة أو للتعالي على الخلق، يتحولان إلى أدوات هدم، فيصير الذكاء شقاءً يطارد صاحبه بدل أن يكون نوراً يهتدي به.
و ما نراه ونشاهده اليوم أن كثيرا من النعم أضحت نقما على أصحابها و خير مثال على ذلك ’’ المحمول ’’ و عليك أيها القارئ الكريم النظر حولك لتدرك المبنى و المعنى .
من أخطر الطرق التي تحول النعم إلى نقم هي آفة الاعتياد. حين يألف الإنسان النعمة، يبدأ في نسيان قيمتها، فيتوقف عن الشكر ويبدأ في التذمر من “نقص الكمال”. هذا الجحود الخفي هو بداية الزوال؛ فالنعمة التي لا تُشكر ترحل، أو تبقى كجسدٍ بلا روح، تثقل كاهل صاحبها بترفٍ لا يجد له طعماً.
“النعمة كالقيد، إن لم تربطها بشكرها وتوجيهها نحو الحق، انفلتت منك أو خنقتك ببريقها.”
إن الاستغلال الصحيح للنعم لا يعني الحرمان منها، بل يعني توجيهها. فالغنى الحقيقي هو غنى النفس التي ترى في النعمة مسؤولية، والقوة الحقيقية هي التي تحمي الضعيف. حين تتحول النعمة إلى “قيمة مضافة” في حياة الآخرين، فإنها تنمو وتزكو وتتحول من مجرد “عطية مؤقتة” إلى أثر خالد فالنعم لا تخذل أصحابها، بل أصحابها هم من يخذلونها بسوء التدبير ، فمن جعل من نعمته جسراً للرقي نجا ، ومن جعل منها رداءً للخيلاء غرق .
للتواصل مع الكاتب : [email protected]



