سيارتي التي علقت والقيم التي تحركت

✍️ أحمد الراوي الرويلي / كاتب سعودي:
لم أتوقع أن تتحول رحلة عادية إلى موقف لا يُنسى. بعد أن استمتعت في هطول الأمطار في إحدى محافظات الأردن وكانت أجواء جداً رائعة ، قررت أن أذهب إلى محافظة الزرقاء لتناول الغداء استجابة لأوامر العقل الذي توسلت إليه بطني برغبتها بتناول وجبة “المنسف ” مررت بجانب وادٍ تجري مياهه سبق وأن زرته ، كان الوادي يبعد عن الطريق السريع حوالي الخمسين متراً والطريق مابين الوادي والأسفلت ترابي ، قررت النزول مع طريق صحراوي وعند الإنحدار حصلت المفاجأة ! بدأت سيارتي بالسير الغير متزن والإنزلاق في الوحل بسبب الأمطار.
توقفت وحاولت العودة إلا أن الوحل أشار إلي بنظرته المليئة بالإستهزاء والتنمر وقال ” إلعب غيرها أضطررت أن أتقدم بسيارتي التي كنت واهماً بقوتها أمام عجرفة الوحل ، تقدمت محاولاً الوصول لآخر الطريق ثم العودة بقوة ، وعند تقدمي وجدت طريقاً فرعياً إعتقدت أنه سيكون سبباً في خروجي من هذا المأزق، إنعطفت بالسيارة باتجاهه إلا أنه أظهر لي ابتسامته الصفراء وقال : الوحل ابن عمي وأنا وابن عمي على الغريب !، فقامت سيارتي الغير مخلصة بالإنزلاق للخلف وما زاد ارتباكي وجود خندق بجانب الطريق عمقه تقريبا مترين وهو ماجعل السيارة تتجه إليه من الخلف.
أوقفتها قبل الخندق بمتر واحد وهذا فضل من الله ، مازاد ارتباكي وخوفي أن عائلتي كانت معي توقفت عن محاولة إخراج السيارة لخطورة الموقف ، تفاجأت بشخص يتوقف بجانب الطريق ويعرض المساعدة ، أبلغته بما حصل وقال ( ولا يهمك ) الآن سأُفزًع النشاما وبدأ باتصالاته وبعد كل اتصال يقوم بطمأنتي بأنه قام بإبلاغ كل القطاعات الأمنية التي لها علاقة بهكذا حوادث بالإضافة لفريق نسور الزرقاء التطوعي للبحث والإنقاذ وخلال ربع ساعة وصلت سيارات الأمن العام برفقة عدة قطاعات وبدايةّ تولى المهمة رجال القطاعات الأمنية بطمأنتي والذين تعاملوا باحترافية وإنسانية عالية. نظموا المكان، وشاركوا في المساعدة، وحرصوا على سلامة الجميع حتى خرجت السيارة بسلام بعد تولي رجال فريق نسور الزرقاء التطوعي بتكاتفهم مع رجال الأمن بعمل كل مايلزم واستخدام خبراتهم ومعداتهم .
في ذلك اليوم، لم تخرج سيارتي من الوحل فقط، بل خرجتُ أنا بقصة أفتخر بها، وبامتنان كبير لكل أهل الخير ورجال الأمن الذين أثبتوا أن التكاتف وقت الشدة ليس شعارًا… بل سلوكًا حيًا نراه ونعيشه ، وخلّفت لدي أثرًا أعمق من مجرد موقف عابر ، إذ أكدت أن القيم الإنسانية لا تزال حاضرة بقوة، وأن التعاون بين الأهالي ورجال الأمن يشكل صمام أمان حقيقي للمجتمع، خاصة في أوقات الأزمات . مثل هذه المواقف البسيطة في ظاهرها، الكبيرة في معناها، تستحق أن تُروى وتسجل كنماذج مشرفة للتلاحم والمسؤولية المشتركة ، عند انتهاء المهمة شاهدت على ملامح الجميع فرحة العطاء والإنسانية بجانب العمل الرسمي ، وكما قيل ” العطاء بحر لاساحل له من المودة والألفة ” ولا أنسى الإتصال الذي وردني من الإعلامي الأردني القدير من إذاعة الأمن العام الأردني ” وصفي الدهني” ولا أنسى كلماته اللطيفة المؤنسة التي أسعدتني جداً ، إنتهت الحكاية ولم ينتهي كرم رجال الأردن فبعد إخراجهم لسيارتي تبادروا جميعاً إلي يتحمدون الله على سلامتي وتهافتت على مسامعي من جميع الحاضرين جملتهم الشهيرة المعطرة برائحة الكرم العربي ( جيرة الله تتغدى عندنا ) ولكن لضيق الوقت إعتذرت من الجميع بكل حب وتقدير ، وأختم بشكري ومحبتي للجميع خاصة الأخ الكريم طلال عقيدات وهو صاحب المبادرة وشرارة الفزعة ، والأخ علاء العموش وأبو عمار من فريق نسور الزرقاء الذين رافقوني إلى إحدى مغاسل السيارات ومنعوني حتى من دفع قيمة الغسيل ، والشكر موصول لكل من ساعدوني من رجال الأمن من ضباط وأفراد ، ولا أقول إلا كما قال الشاعر :أبا محمد اليمني
ليت الكواكب تدنو لي فأنظمها ..
عقود مدح فما أرضى لكم كلمي ..
شكراً نشامى الأردن ..
للتواصل [email protected]



