المواطنة الخليجية: بين مكتسبات المعاملة الوطنية ومخاطر التجنيس التخادمي

✍️ حسن بن إبراهيم المقصودي – كاتب سعودي :
يستند نظام التعامل مع المواطن الخليجي في دول مجلس التعاون إلى مبدأ “المعاملة الوطنية”، وهو المحرك الأساسي لمشروع التكامل الذي يهدف لتحقيق المواطنة الاقتصادية الكاملة. هذا النظام يمنح الخليجيين حق التنقل بالهوية الوطنية، والمساواة التامة في التعليم والصحة، وتملك العقارات، والعمل في القطاعين العام والخاص، مع الاستفادة من نظام مد الحماية التأمينية. إلا أن هذا النموذج المثالي يواجه اليوم تحديات وجودية مع بروز سياسات تجنيس حديثة تمنح “الجنسية الخليجية” لفئات قد لا تشترك مع شعوب المنطقة في ركائزها التاريخية والثقافية .
تكمن القوة الحقيقية لهذا النظام في “السوق الخليجية المشتركة”، التي أزالت الحواجز أمام رأس المال والقوة البشرية الخليجية . ولكن، حين تفتح بعض الدول أبواب التجنيس بناءً على اعتبارات تخادمية أو اقتصادية بحتة أو لاستقطاب كفاءات أجنبية لا تتقن اللغة العربية ولا تندمج في النسيج الاجتماعي، فإننا نصبح أمام ثغرة قانونية تسمى “التسلل عبر المواطنة”. فهؤلاء المجنسون الجدد سيتمتعون، بموجب الاتفاقيات، بحق الدخول والمنافسة في أسواق الدول الأعضاء الأخرى، مما قد يؤدي إلى إرباك التوازنات الوطنية والضغط على الوظائف النوعية المخصصة لأبناء المنطقة الأصليين.
علاوة على ذلك، فإن “المواطنة الخليجية” ليست مجرد امتياز مالي أو بطاقة عبور، بل هي عقد اجتماعي يقوم على وحدة الدين واللغة والمصير. إن التوسع في منح الجنسية لمن لا تنطبق عليهم ركائز المواطنة الخليجية يهدد بتآكل الهوية المشتركة على المدى البعيد، ويخلق ضغطاً غير مسبوق على موارد الدول وبنيتها التحتية المخصصة للمواطنين. كما أن المخاطر الأمنية تظل حاضرة، إذ إن الولاء الوطني لا يُكتسب بمجرد الحصول على وثيقة سفر، بل هو ممارسة وجدانية وتاريخية لا يمكن ضمانها في فئات دخلت المنظومة لأغراض تخادمية أو استثمارية أو نفعية بحتة.
إن الحفاظ على مكتسبات المواطنة الخليجية يتطلب اليوم وقفة جادة لتنسيق سياسات التجنيس بين دول المجلس، وضمان ألا تتحول “المعاملة الوطنية” إلى جسر تعبر من خلاله فئات لا تحمل في وجدانها قيم الخليج، حمايةً لأمن المنظومة واستقرارها الاجتماعي والاقتصادي للأجيال القادمة .
والسلام ؛؛؛
للتواصل مع الكاتب : [email protected]



