”مدنٌ غابرة وعمالقةٌ بَنوا صرحَ أدبنا الخالد”
✍️ جزاع السهو – كاتب سعودي :
..نيسابور أو نيشابور هي مدينة تاريخية عريقة تقع في محافظة خراسان شمال شرق إيران، وتعد ثاني أكبر مدن المحافظة بعد مشهد. اشتهرت قديماً كمركز رئيسي للعلم الثقافة، التجارة، والعمران في العصر العباسي وكانت تلقب بـ “دمشق الصغيرة” لجمالها وبساتينها!!!
… تقع في سهل خصب عند مصب جبال بينالود وتبعد حوالي 118 كم عن مدينة مشهد
أسسها الساسانيون ”الملك شابور الأول” فتحها المسلمون في عهد الخليفة عثمان بن عفان. شهدت أزهى عصورها في العصر الإسلامي قبل أن تدمرها الزلازل وغزو المغول في القرن الـ 13-!!!
…عُرفت بـ “دار السنة” وخرَّجت كبار العلماء والمحدثين، أبرزهم الإمام مسلم بن الحجاج (صاحب صحيح مسلم) والحاكم النيسابوري!!!
_تضم ضريح الشاعر والفلكي عمر الخيام، وضريح الشاعر المتصوف فريد الدين العطار _ اشتهرت تاريخياً وحديثاً بصناعة الفخار والسيراميك، بالإضافة إلى السجاد.
تعتبر نيسابور رمزاً ثقافياً وتاريخياً مهماً وقد سجلت العديد من آثارها في المواقع التاريخية نظراً لأهميتها عبر التاريخ الإسلامي!!!
…من ائِمة نيسابور في اللغه والأدب ”الثعالبي”
… هو أبو منصور عبد الملك بن محمد بن إسماعيل الثعالبي النيسابوري (350هـ – 429هـ). لُقب بـ “الثعالبي” لأنه كان في بدايته يعمل في خياطة جلود الثعالب وفروها ”يصنع منها الفراء” لكن شغفه بالعلم جعله يخيط من مفردات اللغة أجمل الحلل الأدبية !!!
…كان الثعالبي يؤمن أن اللغة كائن حي
وأن البلاغة هي “إيصال المعنى إلى القلب
في أحسن صورة” لُقب بـ “جاحظ زمانه”
…لهُ من التأليف يتيمة الدهر . في محاسن أهل العصر .وهو اكبر كتبهِ واحسنها واجمعها. وفيها يقول ابو الفتوح نصر الله بن قلاقس الشاعر الاسكندري المشهور :
ابيات اشعار اليتيمه
ابكار افكارٍ قديمه
ماتوا وعاشت بعدهم
فلذلك سُميتِ اليتيمةْ!!!
…عاش الثعالبي في العصر العباسي المتأخر وتحديداً في “نيسابور” التي كانت حينها حلبة لسباق العلماء وموئلاً للأدباء. لم يكن الثعالبي مجرد لغوي بل كان ناقداً بصيراً ومؤرخاً للأدب وجامعاً لشتات البلاغة له مكانته عند أئمة الأدب وتنافس المؤرخون في الثناء على فصاحته وقدرته التأليفية !!!
_ومنهم ابن خلكان: قال عنه في “وفيات الأعيان” «كان إمام وقته في اللغة والأدب وله التصانيف المليحة والرسائل البديعة..!
_الباخرزي: وهو تلميذه وصاحب “دمية القصر” وقال فيه هو جاحظ نيسابور ووارث لغة العرب ما من كتاب ألَّفه إلا وهو تحفة
للأرواح !!!
_وابن بسام الشنريني: أشاد ببراعته في اختيار النصوص الأدبية في كتابه “الذخيرة” معتبراً الثعالبي مرجعاً لا يُستغنى عنه في توثيق أخبار أهل المشرق!!!
… تركت عبقرية الثعالبي بصمة في كل فن من فنون العربية..!
_ومن درر مؤلفاته: يتيمة الدهر موسوعة أدبية ضخمة ترجمت لشعراء عصره وأدباء زمانه ويعد أثمن المراجع الأدبية..!
_ فقه اللغة وسر العربية مرجع أساسي في فلسفة اللغة العربية، وتقسيم المعاني، وتصنيف الألفاظ..!
_سحر البلاغة وسر البراعة كتاب يغوص في جماليات التعبير وطرائق البيان..!
ثمار القلوب في المضاف والمنسوب يتحدث عن الكلمات التي اقترنت بأسماء معينة حتى صارت أمثالاً !!!
… ولكثرة اطلاعهِ .اخذ عن أئمَّة وكتب عنهم ولهُ اشعار كثيرة كان يُعرف عنه دقة الاختيار فكان يقول إن “الاختيار قطعة من عقل الرجل”وهذا ما نلمسه في “اليتيمة” حيث كان ينتقي عيون الشعر ويترك غثّه!!!
…الخلاصة:توفي الثعالبي في سنة 429هـ تاركاً خلفه مكتبة عربية في الأدب لا تزال تنهل منها الأجيال وهو العالم الذي أثبت أن الأدب ليس مجرد رصف كلمات بل هو روح تسري في المعنى ونور يضيء جمال اللغة العربية!!!
للتواصل مع الكاتب : [email protected]



