كفر النعمة… حين يتحول الطعام إلى مادة للسخرية

✍️مسفر محمد الاكلبي – كاتب سعودي :
لم يعد كفر النعمة خفيًا ولا مستترًا، بل صار مشهدًا متكررًا يُعرض أمام الناس بلا حياء، ويُصفَّق له بالمشاهدات والتعليقات. نعمة الطعام التي أقسم الله بها، وأمر بحفظها، أصبحت عند البعض لعبة رخيصة، تُرمى على الأرض، وتُداس بالأقدام، من أجل ضحكة عابرة أو شهرة زائلة.
مشهورة تحمل صحنًا عامرًا بالأرز واللحم، ثم تتصنع السقوط لترميه أرضًا فتتناثر النعمة، لا لجهلٍ بقيمتها، بل استهزاءً بها من أجل المشاهدات. وآخر يرص أكبر صينية فواكه، لا شكرًا لله ولا سدًّا لجوع محتاج، بل تفاخرًا واستعراضًا. وثالث يضع أكبر صينية مليئة بـ الحشوان والخرفان، لا ليطعم الجائع، بل ليُقال عنه كريم، وليُصنع له اسم على حساب نعمة الله.
وتزداد المشاهد وقاحة؛ هذا يحمل القدر، وذاك يتشقلب بالصحن، فتُضرب النعمة بعضها ببعض، ثم يُرمى القدر أرضًا وسط ضحك وسخرية، وكأن هذا الطعام لم يكن سبب حياة، ولا رزقًا من رب العالمين. وفي الزواجات تُفتح البوفيهات، وتُرص أصناف الحلوى والفطائر والمكسرات، لا إكرامًا للضيوف، بل للتصوير والتباهي، ثم تُرمى الذبائح كاملة في النفايات وكأنها بلا قيمة.
وفي المقابل، كان غيرهم يتمنى لقمة. وفي الصومال، اشتهى بعض الناس كبد الخروف، فيُذبح الخروف ويُؤخذ كبده فقط، ثم يُرمى باقيه ظلمًا وجورًا، فكانت العاقبة فقرًا وجوعًا وجفافًا، ليعلم الناس أن النعمة إذا كُفر بها زالت، وإذا أُهينت انتُزعت.
قال الله تعالى:
﴿كُلُوا وَاشْرَبُوا وَلَا تُسْرِفُوا إِنَّهُ لَا يُحِبُّ الْمُسْرِفِينَ﴾ [الأعراف: 31]
وقال سبحانه محذرًا:
﴿وَضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا قَرْيَةً كَانَتْ آمِنَةً مُطْمَئِنَّةً يَأْتِيهَا رِزْقُهَا رَغَدًا مِن كُلِّ مَكَانٍ فَكَفَرَتْ بِأَنْعُمِ اللَّهِ فَأَذَاقَهَا اللَّهُ لِبَاسَ الْجُوعِ وَالْخَوْفِ﴾ [النحل: 112]
وقال عز وجل:
﴿وَإِذْ تَأَذَّنَ رَبُّكُمْ لَئِن شَكَرْتُمْ لَأَزِيدَنَّكُمْ وَلَئِن كَفَرْتُمْ إِنَّ عَذَابِي لَشَدِيدٌ﴾ [إبراهيم: 7]
وقال رسول الله ﷺ:
«إنَّ اللهَ كرهَ لكم ثلاثًا: قيلَ وقالَ، وإضاعةَ المالِ، وكثرةَ السؤالِ» (متفق عليه)
وقال ﷺ:
«إذا سقطت لُقمةُ أحدكم فليُمِطْ عنها الأذى ثم ليأكلها، ولا يدعها للشيطان» (رواه مسلم)
فأي قلبٍ هذا الذي يضحك وهو يرمي النعمة؟ وأي عقلٍ يستهين بما قد يُرفع في لحظة؟ إن النعمة لا تُحفظ بالتصوير، ولا تدوم بالاستعراض، وإنما تُصان بالشكر، وتُحفظ بعدم الإسراف، وتبقى حين تُعظَّم.
فاحذروا كفر النعمة، فإنها لا ترحل دفعةً واحدة، لكنها إذا بدأت بالزوال لم يعد لها رجوع.
للتواصل مع الكاتب : [email protected]



