الإدارة من منطقة العمى

✍️ د. شيخه بنت حامد – كاتبة سعودية :
تُعدّ منطقة العمى في الإدارة واحدة من أخطر المساحات غير المرئية داخل المؤسسات.
فهي تلك الزاوية التي لا يراها القائد، لا لأنه يفتقر إلى الذكاء أو الخبرة، بل لأنه اعتاد نمطًا واحدًا في التفكير، واتكأ طويلًا على افتراضات لم يختبرها.
في هذه المنطقة، تُتخذ القرارات بثقة عالية، لكن بوعي منقوص.
الإدارة من منطقة العمى تبدأ حين يظن القائد أنه يعرف كل شيء.
يعرف فريقه، ويعرف الواقع، ويعرف ما يصلح وما لا يصلح.
هنا تتوقف الأسئلة، ويُنظر للنقد كتهديد، وللاختلاف كتشويش.
ومع الوقت، تتحول المؤسسة إلى مرآة واحدة تعكس رأيًا واحدًا، بينما تختفي الأصوات التحذيرية في الظل.
تكمن خطورة هذه المنطقة في أنها لا تُشعر صاحبها بالخطر.
على العكس، تمنحه شعورًا زائفًا بالسيطرة.
فالمؤشرات تُقرأ بانتقائية، والتقارير تُفسَّر بما يخدم القناعة المسبقة، والنجاحات تُضخَّم، بينما تُبرَّر الإخفاقات أو يُلقى بها على الآخرين. وهنا تبدأ الفجوة بين ما تعتقده القيادة، وما يعيشه الواقع.
الإدارة من منطقة العمى لا تُنتج قرارات خاطئة فقط، بل تُنتج ثقافة صامتة. ثقافة يخاف فيها الموظفون من قول الحقيقة، ويتعلمون التكيّف بدل الإبداع، والمجاملة بدل المصارحة. ومع الوقت، تفقد المؤسسة قدرتها على التعلم، لأن التعلم يتطلب الاعتراف بالنقص أولًا.
الخروج من منطقة العمى لا يتحقق بزيادة الصلاحيات أو تشديد الرقابة، بل بتوسيع الوعي ، يبدأ ذلك بطرح الأسئلة الصعبة، وبناء قنوات آمنة للتغذية الراجعة، والاستماع لمن هم في الصفوف الأمامية، لا لمن يكررون ما نحب سماعه.
القائد الواعي هو من يدرك أن أخطر ما لا يراه… قد يكون داخله هو.



