كتاب الرأي

محور الكون .. وهمٌ نفسيّ يقيّد حريتنا

✍️ مسفر محمد الاكلبي – كاتب سعودي :

في زمنٍ تتسارع فيه وتيرة الحياة، ويزداد فيه حضور الفرد على الشاشات ووسائل التواصل، يتسلّل إلى كثيرين شعورٌ خفيّ بأنهم تحت المجهر، وأن الآخرين يتابعون تفاصيل حياتهم بدقّة، يحكمون على تصرّفاتهم ويحلّلون كلماتهم. هذا الشعور، على شيوعه، ليس سوى وهمٍ نفسيّ يُضخِّم الذات ويُرهقها في آنٍ واحد.

الحقيقة التي يغفل عنها كثيرون أن الإنسان، بطبيعته، منشغل بذاته قبل أي شيء آخر. كل فرد يحمل داخله عالمًا كاملًا من الأسئلة، والهموم، والطموحات، والانكسارات. يستيقظ وهو يفكّر في يومه، في عمله، في مستقبله، وفي مشكلاته الصغيرة والكبيرة. لذلك، فإن المساحة التي يخصّصها لمراقبة الآخرين تكاد تكون ضئيلة، إن وُجدت أصلًا.

غير أن وهم «محورية الذات» يجعل الإنسان أسير نظرات متخيَّلة وأحكام غير موجودة. يخشى الخطأ، ويتردّد في التعبير عن رأيه، ويقسو على نفسه خوفًا من نقدٍ قد لا يأتي أبدًا. ومع الوقت، يتحوّل هذا الخوف إلى قيدٍ يحدّ من العفوية، ويقتل الجرأة، ويشوّه العلاقة الطبيعية بين الإنسان ونفسه.

اللافت أن إدراك هذه الحقيقة لا يقلّل من قيمة الفرد، بل يعيدها إلى حجمها الصحيّ. حين يفهم الإنسان أن الناس لا تترقّب خطواته، يشعر براحةٍ داخلية، ويتحرّر من ضغط المقارنة والبحث المستمر عن القبول. يصبح أكثر صدقًا مع ذاته، وأكثر تصالحًا مع عيوبه، وأقدر على التطوّر دون خوفٍ مبالغ فيه من رأي الآخرين.

في السياق الاجتماعي، يسهم هذا الفهم في بناء علاقات أكثر واقعية. فبدل أن ننشغل بما يعتقده الناس عنا، نوجّه طاقتنا نحو فهمهم، والاستماع إليهم، والتعامل معهم بإنسانية لا تقوم على التظاهر أو الادّعاء. عندها، تتراجع الأنانية غير المقصودة، ويحلّ محلّها وعيٌ أعمق بأن لكل إنسان قصته التي تستحق أن تُفهَم.

في النهاية، ليس الإنسان محور الكون، لكنه محور تجربته الخاصة في الحياة. وبين هاتين الحقيقتين تكمن المعادلة المتوازنة: أن نعيش بثقة دون غرور، وبوعي دون قلق. فحين ندرك أن العالم لا يدور حولنا، نكتشف أن الحياة تصبح أخفّ، وأكثر اتّساعًا، وأقرب إلى حقيقتها البسيطة.

للتواصل [email protected]

غرفة الأخبار

مسؤول النشر والتدقيق 1

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى