كتاب الرأي

الإدمان الرقمي: خطر لا نراه

                ✍️ ام رنيم – كاتبة سعودية:

في زمنٍ أصبحت فيه الهواتف الذكية امتدادًا لأيدينا، لم يعد الإدمان محصورًا بالمخدرات أو العادات السلوكية الواضحة، بل ظهر نوع جديد أكثر هدوءًا وأقل لفتًا للانتباه: الإدمان الرقمي. إدمان لا يُشمّ ولا يُرى، لكنه يتسلل إلى تفاصيل حياتنا اليومية ويعيد تشكيل وعينا دون أن نشعر.

نستيقظ على إشعارات الهاتف، وننام وهو آخر ما نلمسه. دقائق تتحول إلى ساعات، وساعات تُستنزف في التمرير اللانهائي، دون هدف واضح أو شعور حقيقي بالإنجاز. الخطورة هنا لا تكمن في استخدام التقنية بحد ذاتها، بل في فقدان السيطرة عليها، حين تصبح هي من تقود وقتنا ومشاعرنا وتركيزنا.

الإدمان الرقمي لا يظهر فجأة، بل يتكوّن تدريجيًا. يبدأ بتصفح عابر، ثم ارتباط نفسي بالإشعارات، ثم شعور بالقلق عند الابتعاد عن الشاشة. ومع الوقت، تتأثر قدرتنا على التركيز، وتضعف علاقاتنا الاجتماعية، ويزداد شعورنا بالإرهاق الذهني رغم قلة المجهود الجسدي.

الأخطر من ذلك أن هذا النوع من الإدمان مُطَبَّع اجتماعيًا؛ فالجميع يفعل الشيء نفسه، مما يجعل السلوك يبدو طبيعيًا وغير مقلق. لكن خلف هذه “الطبيعية” تختبئ آثار نفسية حقيقية: تشتت دائم، مقارنة مستمرة بالآخرين، انخفاض الرضا عن الذات، وأحيانًا شعور خفي بالفراغ.

الأطفال والمراهقون هم الأكثر تأثرًا، إذ ينشأ جيل كامل في بيئة رقمية مكتظة بالمثيرات، ما يهدد تطورهم العاطفي والاجتماعي. أما البالغون، فيقعون في فخ الإنتاجية الزائفة، حيث الانشغال الدائم يُشعرهم بأنهم مشغولون، دون أن يكونوا فعليًا منتجين أو حاضرين ذهنيًا.

مواجهة الإدمان الرقمي لا تعني مقاطعة التكنولوجيا، بل إعادة ضبط العلاقة معها. الوعي هو الخطوة الأولى: أن نسأل أنفسنا بصدق، كم من وقتنا نستهلك؟ وماذا نخسر في المقابل؟ ثم تأتي خطوات بسيطة لكنها فعّالة، مثل تخصيص أوقات خالية من الهاتف، إيقاف الإشعارات غير الضرورية، والعودة للتواصل الحقيقي مع الذات والآخرين.

في النهاية، التكنولوجيا وُجدت لتخدم الإنسان، لا لتستنزفه. والإدمان الرقمي، رغم كونه خطرًا لا نراه، إلا أن آثاره واضحة لمن يجرؤ على التوقف قليلًا… والنظر حوله.

للتواصل مع الكاتبة : [email protected]

غرفة الأخبار

مسؤول النشر والتدقيق 1

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى