كتاب الرأي

الإجازة… حين تتحوّل من متعةٍ إلى إرهاق

     ✍️ غميص الظهيري _ كاتب سعودي :

لم تعد الإجازة كما عهدناها مساحةً للراحة والترفيه، بل تغيّر مسماها ومسارها من فرصةٍ لالتقاط الأنفاس إلى سلسلةٍ من الالتزامات الاجتماعية، في مقدمتها حضور مناسبات الزواج. أصبحنا نخرج من دوام العمل الرسمي لندخل في دوامٍ آخر داخل قصور الأفراح، ونسافر من مكانٍ إلى آخر، ومن مدينةٍ إلى مدينة، فقط لأداء ما يُسمّى «واجبًا اجتماعيًا».

في خضمّ هذا الواقع، حُرمنا وحُرم أبناؤنا من متعة الإجازة، حتى بات كثيرون ينظرون إليها بنفور بدل الشوق. يقطع الواحد منا مئات الكيلومترات لحضور زواجٍ قد لا تجمعه بصاحبه سوى معرفةٍ بعيدة، مع ما يحمله ذلك من مخاطر الطرق وحوادث السير – لا سمح الله – وكم من عائلاتٍ دفعت ثمناً باهظًا بسبب مناسبةٍ كان بالإمكان الاعتذار عنها أو الاكتفاء بتحويل الواجب.

المفارقة المؤلمة أن الشخص قد يخسر آلاف الريالات ما بين وقود، وسكن، وطعام، ومصاريف طريق، في سبيل تقديم مبلغٍ بسيط لا يتجاوز 200 ريال. وهنا يبرز السؤال المنطقي: أليس تحويل الواجب أولى من هذا العناء؟ أليس قضاء الإجازة مع الأبناء في رحلةٍ ترفيهية، أو وقتٍ عائلي هادئ، أجدر من إرهاقهم بالتنقّل والسفر؟

لقد تحوّلت بعض حفلات الزواج من مناسبة فرحٍ بسيطة إلى مظاهر إسراف ومباهاة، حيث تُوزّع بطاقات الدعوة على نطاقٍ واسع، وتُرسل الرسائل عبر وسائل التواصل الاجتماعي، ليس بدافع المشاركة بقدر ما هو بحثٌ عن «الرفد» وجمع المال، ليُعاد إنفاقه في ولائم ضخمة ومظاهر مبالغ فيها، فقط ليُقال: فلان أقام حفلًا كبيرًا.

إن منع الرفد – أو على الأقل تنظيمه – كفيل بإعادة التوازن لهذه المناسبات، والحد من الإسراف، وتقليل أعداد الحضور، وإرجاع الزواج إلى صورته الطبيعية: إعلان فرح وبداية حياة، لا ساحة للتفاخر وإرهاق الناس بما لا طاقة لهم به.

أين الحكمة في كل هذا؟ وأين صوت العقل الذي يضع حدًا لتجاوزاتٍ لم يأتِ بها دين، ولا أقرّها منطق، ولا تخدم المجتمع؟ لقد آن الأوان لإعادة النظر في ثقافة المناسبات الاجتماعية، والتمييز بين الواجب المعقول والمبالغة المرهقة.

أعيدوا لنا متعة الإجازة…
دعونا نمنح أبناءنا حقهم في الفرح، والترفيه، واستعادة النشاط، استعدادًا لعامٍ دراسي جديد. فمن المؤلم أن تبدأ الإجازة وتنتهي، دون أن يغادر الأطفال منازلهم، بينما رب الأسرة موزّع لياليه بين عشرات القصور، مرهقًا نفسيًا وماديًا.

الإجازة ليست ترفًا، بل حاجة إنسانية، وراحةٌ مستحقّة، واستثمارٌ في صحة الأسرة واستقرارها. ومتى ما أدركنا ذلك، سنعرف متى نعتذر، ومتى نُوجِب، ومتى نُقدّم عائلتنا على كل شيء؟

ختامًا، لسنا ضد الفرح، ولا ضد المشاركة في المناسبات، فالزواج سُنّة الحياة، والفرح حق. لكننا ضد الإرهاق، وضد الإسراف، وضد أن تتحوّل القيم الاجتماعية إلى ضغوطٍ تثقل كاهل الناس وتسرق منهم راحة الإجازة وحقوق الأبناء. إن الاعتذار ليس قطيعة، وتحويل الواجب ليس تقصيرًا، والاقتصاد في الفرح لا ينتقص منه شيئًا، بل يزيده بركة فالفرح لا يُقاس بعدد الحضور، ولا بكثرة الولائم، ولا بحجم ما يُجمع من أموال، بل بصفاء النية وبساطة الحدث.
فلنُعد ترتيب أولوياتنا، ولنجعل الإجازة وقتًا للحياة لا للالتزامات، ووقتًا للأسرة لا للمظاهر. حينها فقط، سنستعيد معنى الإجازة الحقيقي، ونُعيد للفرح بساطته، وللمجتمع توازنه، ولأطفالنا حقهم في الضحكة والراحة قبل بداية الدراسة.

للتواصل : [email protected]

غرفة الأخبار

مسؤول النشر والتدقيق 1

مقالات ذات صلة

‫8 تعليقات

  1. الكاتب والاعلامي غميص الظهيري
    وفق في طرحه لهذه الظاهره والمطالبة بالحد منها وهو دائما يقتنص المظاهر الاجتماعية السلبية ويحث على مواجهتها ومعالجتها فنقدر له ذلك ونشكره

  2. الله عليك يابو فهد
    دائما تطرق الأبواب المغلقة والتي خلفها مالله به اعلم
    من عادات وتقاليد واعراف جابت للكثير التعب المادي
    والجسدي والحسي والنفسي . فعلا الا يحين وقت تصحيح المسار . ومن هو المسؤل عن ذلك والذي سيخفف معانات
    الكثير… اهنيك بعقلك وإدراكك وشعورك بمتاعب الاخرين
    واليك التحية💕

  3. [ الإجازة ليست ترفاً وإنما حاجة إنسانية ]
    حكمة لاتخرج إلا من رجل حكيم ولا غرابة في ذلك فنحن أمام مقال يسطره المستشار الإعلامي غميص الزهراني .

  4. الإعلامي الراقي ابوفهد دائمآ تتطرق لمواضيع مهمة ومعالجة مواضيع اجتماعية شكرآ مستشارنا الغالي على الطرح الجميل والمفيد

  5. شكرا للكاتب غميص الظهيري على مقاله المهم الذي يسلط الضوء على تحول الإجازة من راحة إلى إرهاق بسبب الالتزامات الاجتماعية غير الضرورية مثل السفر لحضور مناسبات بعيدة ومكلفة مما يسرق وقت العائلة وراحة الأطفال المقال يثير نقاشا مجتمعيا ضروريا لإعادة ترتيب الأولويات والعودة إلى جوهر الفرح الحقيقي وتقليل الإسراف.

  6. مساء الورد والفكر المتسع والأفق الرحب..
    كم كنت ماهراً سيدي المستشار في العزف علىٰ هذا الوتر الحساس وكم بعث هذا المقال من شجون ومعاناة..!
    من وجهة نظر شخصية وخاصة ..
    الإجازة هي عبارة عن فترة من الزمن تمنح العاملين فرصة لالتقاط الأنفاس وتجديد ينابيع النفس وأخذ قسط كافٍ من الراحة وممارسة الهوايات المحببة والاستمتاع بالهدوء والسكينة وشيء من الترفيه ..
    لكن ما يحدث الآن من تزاحم المناسبات الاجتماعية وانتظار الإجازات لإقامة الحفلات والاجتماعات أمرٌ يتناقض تماماً مع الهدف الأسمىٰ من الإجازات..
    أصبحنا في نهاية الإجازة نحتاج لإجازة حتىٰ نرتاح مما حدث لنا في الإجازة..!!!
    أرىٰ أن يتفق أبناء القبيلة الواحدة علىٰ أن تكون الحفلات والزواجات طيلة العام دون انتظار الإجازات وأن يكون هناك ٣ أيام علىٰ الأقل بين كل مناسبة وأخرىٰ فقد تعبنا من الركض المتواصل ..🌹🌹

  7. مقال يسطر بماء الذهب ويوزع للمشائخ والعُمَد ومعرفي القرى ومن له منزلة عند جماعته ليتدارسوا هذا الموضوع ويستنتجوا حلولاً جذرية للحد من التكاليف وإرهاق المجتمع.

    لذلك من المهم تعزيز ثقافة التفهّم والتيسير، سواء من أصحاب المناسبات عبر تبسيط الاحتفالات وتقليل التكاليف، أو من المجتمع عبر تقدير الأعذار واحترام ظروف الآخرين. فالفرح لا يُقاس بحجم الحضور أو فخامة المناسبة، بل بصدق المشاعر وبساطة المشاركة، وبذلك نحافظ على العلاقات الاجتماعية دون إرهاق أو ضغط.

    تحية تقدير وود للكاتب أ. غميص الظهيري

  8. لقد لخص الكاتب واقعاً مريراً؛ حيث تحولت الإجازة إلى “دوام إضافي” يتسم بالإرهاق المادي والجسدي نتيجة المبالغات في المناسبات الاجتماعية. إن تحويل “الواجب” من حضورٍ جسدي مرهق إلى مشاركة وجدانية أو دعم مادي (تحويل الواجب) ليس تقصيراً، بل هو وعي عصري يحفظ للأسرة حقها وللفرد خصوصيته.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى