الاخبار الفنية والثقافية

مشوار جاد: قراءة بصرية في تجربة محمد الجاد

عنوان _ جدة _ محمد حلسان :

يقدّم الفنان محمد الجاد في هذه المجموعة خلاصة بصرية مكثفة لمساره الفني ضمن مشروعه الأول «مشوار جاد»، حيث تتكامل الأعمال بوصفها سلسلة واحدة تقوم على تكرار الشكل وتحويله، وإعادة شحنه دلاليًا عبر اللون والخط والحركة . 

أولًا: الوحدة الشكلية وتنوّع التعبير

تعتمد السلسلة على مفردة بصرية مركزية هي الوعاء التراثي، يتكرر في ثنائيات متناظرة وأحيانًا في تشكيل ثلاثي (وعاءان كبيران ووعاء أصغر). غير أن هذا التكرار لا يشير إلى الثبات، بل يكشف عن تحولات شعورية وزمنية؛ إذ ينتقل الشكل ذاته من صفاء أخضر، إلى دفء ترابي، ثم إلى عمق أزرق كثيف، وكأن الوعاء كائن حي يمر بمراحل نفسية وعمرية متباينة.

ثانيًا: الخط العربي كنسيج داخلي

لا يُستخدم الخط العربي هنا كنص مقروء، بل كنسيج بصري وروحي. تتداخل الحروف وتتكاثف داخل الأوعية، لتغدو أشبه بذاكرة داخلية أو وعي دفين.
فالخط يؤدي دورين متوازيين:
• حمولة رمزية تعبّر عن الإيمان والدعاء والذاكرة الجمعية.
• وعنصر تشكيلي يوازن الكتلة ويمنح السطح عمقًا وحيوية بصرية.

بهذا التوظيف، ينتمي الجاد إلى الحروفية المعاصرة، متجاوزًا البعد الزخرفي نحو بناء هوية داخلية للشكل.

ثالثًا: الخلفية والحركة – طاقة محيطة بالشكل

الخلفيات في الأعمال ليست حيادية، بل مشحونة بحركة لونية وخطية تلتف حول الأوعية:
• في اللوحة الخضراء، تحضر الخلفية كنسيم نباتي أو ماء جارٍ يوحي بالبدايات والحياة.
• في اللوحة الترابية، تتكاثف الخطوط وتزداد اضطرابًا، معبرة عن تراكم التجربة واحتكاك الزمن.
• في اللوحة الزرقاء، تتحول الخلفية إلى فضاء كوني أو بحري يمنح العمل عمقًا تأمليًا.

وهكذا يتأكد أن الوعاء ليس معزولًا، بل جزء من سياق شعوري وزمني متحرك.

رابعًا: اللون بوصفه حالة نفسية

اللون في هذه السلسلة لغة شعورية لا اختيارًا جماليًا فقط:
• الأخضر: الصفاء والبدايات والنمو.
• البني والذهبي: الذاكرة والحرارة الإنسانية والتجربة.
• الأزرق: العمق والتأمل والروح، وربما قلق هادئ.

ومن خلال هذا التدرج، يمكن قراءة الأعمال كرحلة داخلية تتقاطع مع عنوان المعرض «مشوار جاد».

خامسًا: القراءة العامة ضمن المعرض

ضمن سياق المعرض الشخصي الأول، تمثل هذه السلسلة:
• بيانًا تشكيليًا مبكرًا لهوية الفنان.
• محاولة واعية للجمع بين التراث والحداثة.
• تأكيدًا على أن “المشوار” هنا نفسي وروحي وفني، لا جغرافي.

خلاصة نقدية

تكشف هذه الأعمال عن فنان يمتلك حسًا تركيبيًا واضحًا، ويشتغل على المفردة الواحدة بعمق، لا بتنوع سطحي. إنها تجربة بصرية صادقة، تتشكل من الداخل إلى الخارج، ولا تطلب قراءة سريعة بقدر ما تدعو إلى التأمل، وتؤسس بثقة لبداية فنية واعدة لمسار غني ومتطور . 

غرفة الأخبار

مسؤول النشر والتدقيق 1

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى