قمم ترسم المستقبل

عنوان _ تقرير _ عبدالله الحائطي :
على مدى أكثر من أربعة عقود، لم تعد القمم الخليجية مجرد اجتماعات دورية تجمع قادة دول مجلس التعاون، بل تحولت إلى محطات تاريخية تؤكد عمق الروابط الأخوية، وترسخ نهج العمل المشترك القائم على وحدة الهدف والمصير. وقد استند هذا المسار إلى إرث تاريخي واجتماعي وثقافي عميق سبق نشأة المجلس، وأسّس لقناعة راسخة بأن استقرار المنطقة وازدهارها لا يتحققان إلا بتكامل السياسات وتماسك الصف.
ومنذ انعقاد القمة الأولى مطلع ثمانينيات القرن الماضي، ترسّخ نهج قائم على الحوار وتوحيد الرؤى، ومعالجة التحديات الإقليمية والدولية بسياسات متوازنة تحفظ الأمن والاستقرار وتدعم التنمية، ومع اقتراب انعقاد القمة السادسة والأربعين اليوم الأربعاء في مملكة البحرين، تتجدد معالم هذا النهج، مؤكدة أن مجلس التعاون يُعد من أنجح التجارب الوحدوية وأكثرها قدرة على الثبات والتأثير رغم المتغيرات المتسارعة.
وتأتي مشاركة صاحب السمو الملكي الأمير محمد بن سلمان بن عبدالعزيز ولي العهد رئيس مجلس الوزراء –حفظه الله– امتدادًا لجهود المملكة الرامية لتعزيز العمل الخليجي المشترك وفق رؤية خادم الحرمين الشريفين –حفظه الله– التي أُقرت عام 2015م، وشكلت محطة تحول مفصلية أعادت تنظيم مسارات التعاون، ورفعت مستوى التنسيق، وعززت التكامل في المجالات الدفاعية والأمنية والاقتصادية.
وشهدت مسيرة القمم تطورًا ملحوظًا في الهياكل المؤسسية، وبناء شراكات اقتصادية وعسكرية وأمنية، وإطلاق مشروعات تكاملية كبرى، من أبرزها الاتحاد الجمركي، والربط الكهربائي، وهيئة السكك الحديدية الخليجية، وشركة المدفوعات الخليجية، والربط بين البنوك المركزية، إضافة إلى تطوير المجلس الصحي الخليجي والمركز الخليجي للوقاية من الأمراض، وإصدار القوانين الموحدة لسلامة الغذاء.
سياسيًا، مثّلت القمم مظلة موحدة للتعامل مع القضايا الإقليمية، وفي مقدمتها القضية الفلسطينية، والأزمات العربية، ومكافحة الإرهاب، والتصدي للتدخلات الخارجية، مع الالتزام بثوابت احترام القانون الدولي، وعدم التدخل في شؤون الدول، ودعم الحلول السلمية.
اقتصاديًا، أسهمت القمم منذ مطلع الألفية في توحيد الإجراءات، وتعزيز السوق الخليجية المشتركة، وتسهيل تنقل المواطنين والاستثمارات، وبناء بيئة اقتصادية تكاملية مرنة قادرة على مواكبة التحولات العالمية.
وتجلّت ثمار هذا النهج في القمة الحادية والأربعين بالعلا عام 2021م، التي أعادت ترسيخ وحدة الصف الخليجي، وأطلقت مرحلة جديدة من التعاون الشامل. كما أكدت قمة الرياض الثانية والأربعين عام 2021م دعم المبادرات البيئية الكبرى مثل “السعودية الخضراء” و”الشرق الأوسط الأخضر”، وتعزيز الشراكات الإستراتيجية.
وفي القمة الثالثة والأربعين بالرياض عام 2022م، أكد القادة المضي في سياسات تنويع الاقتصاد، ودعم استقرار أسواق الطاقة، وتحقيق الوحدة الاقتصادية والمنظومة الدفاعية والأمنية المشتركة. فيما جدّدت قمة الدوحة الرابعة والأربعين عام 2023م موقفها الثابت تجاه القضية الفلسطينية، وإدانة العدوان على غزة.
أما القمة الخامسة والأربعون التي استضافتها دولة الكويت، فقد واصلت تعزيز آليات التعاون في مجالات الاقتصاد والأمن والطاقة، وتوسيع الشراكات الدولية، في ظل المتغيرات السياسية والاقتصادية العالمية.
كما حرص مجلس التعاون على تطوير حواراته الإستراتيجية مع القوى الدولية الكبرى، من بينها الولايات المتحدة، والصين، وروسيا، والاتحاد الأوروبي، ورابطة الآسيان، في إطار تعزيز الحضور الخليجي دوليًا.
ومع انعقاد القمة السادسة والأربعين في مملكة البحرين، تستند دول المجلس إلى رصيد ممتد من الإنجازات، وتجربة تراكمية أثبتت قدرتها على الصمود والتجدد. وتمثل القمة محطة لتعزيز مكتسبات التكامل الاقتصادي، وتدعيم الأمن الإقليمي، والتعاون في الطاقة والمناخ، وتوسيع الشراكات الدولية، بما يواكب تطلعات شعوب الخليج نحو مزيد من الاستقرار والازدهار.
وتؤكد مسيرة القمم الخليجية، منذ التأسيس وحتى اليوم، ثبات الإرادة السياسية لقادة دول المجلس، وأن وحدة الصف واستشراف المستقبل ركيزتان أساسيتان لبناء منظومة خليجية متماسكة، قادرة على مواكبة تحولات العالم، وحاضنة لطموحات شعوبها في التنمية والأمن والرفاه .



