قراءة نقدية في رواية (السيكاري) للروائية سلمى البكري
فضاءات التشكيل السردي وجمالية التوظيف التاريخي

عنوان _ الرياض _ د. بهنام عطالله :
تأتي رواية (السيكاري) للكاتبة سلمى البكري، بعد أن أصدرت روايتين هما (صراع التاريخ) 2020 و(كوكولكان) 2022 واللتان تعدان من نمط النماذج السردية للرواية التاريخية التي تتخذ من التاريخ مساراً لها في الكتابة وتوظفه لبناء رواية تنبض بالابداع والتألق.
ففي روايتها الثالثة (السكاري) التي صدرت عن دار مكتوب للنشر في السعودية يظهر أن العمل هذا يمتاز ايضاٍ بوصفه عملاً تاريخيا سردياً يضرب بجذوره في عمق التاريخ المدون، لكن لا يمانع في الوقت ذاته أن ينبض بروح الحاضر. إنها ليست رواية تاريخية بالمعنى التقليدي الذي يكتفي بإعادة تمثيل الماضي، بل هي إعادة خلقٍ أدبيٍّ للتاريخ بمنهج فنيٍّ سردي درامي حواري يتكئ على التمظهر الجمالي، ويستحضر الأدب كقيمةٍ تتجاوز الزمان والمكان.
وتتناول هذه الرواية حقبة زمنية حاسمة من تاريخ البشرية حيث تدور أحداثها خلال القرن الأول الميلادي، عندما برزت طائفة (السيكاري) المتطرفة التي إشتهرت بمقاومتها العنيفة للإحتلال الروماني عبر الاغتيلات واستخدام الخناجر، وسط ولاءات متضاربة وصراعات داخلية، تشابكت فيها الخيانة مع الإيمان في مشهد مأساوي دموي يعكس التوترات والانقسامات الأخلاقية في المجتمع، حيث تتصاعد فيها الأحداث تدريجياً لتكشف للقاري تعقيدات النفس البشرية وصراعات المبادئ والطموحات، محبوكة باسلوب درامي ولغة جمالية مشوقة.
فمنذ الصفحات الأولى، يتجلّى للقارئ أن الكاتبة تمتلك حساً سردياً رفيعاً وقدرة على التلاعب بخيوط الزمن دون أن تفقد تماسك البنية الرئيسة للرواية.
إنها ترجعنا – عن طريق (الاسترجاع) وهو انقطاع في التسلسل الزمني للحدث بغية العودة الى تاريخ مضى (فلاش باك FlashBack) – الى القرن الأول الميلادي، لا بإعتباره زمناً ماضوياً، بل بوصفه مرآةً للتاريخ، يعيد القلق ذاته، والصراع ذاته، وإن تبدّلت الأقنعة.
لقد بنت الكاتبة سلمى البكري روايتها على التداخلٍ المحكم بين المعطى التاريخي المدون والمخيال الأدبي واللغة الرصينة المحكمة، وهنا يذوب الحد الفاصل بين الحقيقة والمتخيل، لتنشأ منطقة رمادية تُغري القارئ بالتأمل والتأويل والبحث ما بين السطور.
سلمى البكري وفي أغلب رواياتها تحاول وبكل ثقة وثقل صياغة الوقائع التاريخية عبر منظورها المتفرد، فتجعل من الحدث التاريخي ذريعةً للكشف عن البعد النفسي والفلسفي للشخصيات.
هذه التقنية تُحرر الرواية من أسر التوثيق، لتجعلها فضاءً مفعماً بالتساؤل لا للتقرير، وللرؤية لا للنقل.
إن البنية السردية في رواية (السيكاري) تتسم بالتعدد الطبقي، فثمة سردٌ ظاهري يحكي الصراع السياسي والديني في حقبةٍ متوترة، وسردٌ باطنيٌّ يعكس صراع الإنسان مع ذاته، من خلال إيمانه الذي تخلّى عنه طمعاً في مصالحه الآنية، وبين واجبه ورغبته، وما بين الخلاص الفردي والقدر.
كما يلاحظ أن اللغة في (السيكاري) ليست أداةً محايدة تكتب من أجل الكتابة فقط، بل هي شخصية فاعلة في النص تتحرك على كافة الاتجاهات، تتنفّس وتتفاعل وتتموّج بتوتر الأحداث وتفاعلاته. فهي تكتب بلغة عربية تدفق من خلال البلاغة الكلاسيكية، مطعمة بلمساتٍ حداثوية تمنح النص قوة فاعلة وإشراقًة خاصة، تتجلى فيها جمالية اللغة وسرديتها ضمن قدرة فائقة على الجمع بين الدقة التاريخية والشاعرية التعبيرية، بحيث تغدو الجملة الواحدة جسراً بين الفكر والإحساس والمشاعر.
تنهض الرواية في بنائها على شخصياتٍ متعددة الأبعاد والنوايا تتمحور حول الخير والشر، وتتراوح ما بين المثالي والواقعي، والأسطوري وبين الرمزي والإنساني.
فكل شخصية، مهما بدت ثانوية، تحمل في داخلها بذرة سؤالٍ وجودي، وكأن الروائية سلمى البكري أرادت أن تقول للمتلقي إن التاريخ لا يصنعه الأبطال فحسب، بل تصنعه الهواجس الصغيرة التي تنمو في العقول والقلوب.
إن الشخصية المحورية في الرواية (السيكاري) تمثل نموذج الإنسان الممزق التائه بين الإيمان والمصالح الذاتية. إنها شخصية مخلوقة من تناقضٍ داخليٍّ خصب، يُشبه في عمقه التراجيدي شخصيات دوستويفسكي أو شكسبير، لكنها مع ذلك تحتفظ بخصوصيتها الشرقية، المنبعثة من تربة الحضارة القديمة.
تتمحور ثيمات الرواية حول ثلاث مواضيع كبرى ومهمة هي: الإيمان، والمصالح، والقدر، حيث فيها تنبع من تناقضات الإنسان ورغباته الدنيوية، والإيمان ليس عقيدةً جامدة، بل تجربة داخلية تُختبر بالألم.أما القدر، فليس قوةً قاهرة، بل مساحة حريةٍ يختبر فيها الإنسان مسؤوليته عن إختياره، وهذه الجدلية العميقة بين الحتميّة والاختيار تُعطي الرواية بعدها الفلسفي، وتجعلها نصاً يتجاوز السرد العادي إلى الفكر.
تعتمد البكري في بناء الرواية على التقطيع الزمني، وتداخل الأزمنة في تقنيةٍ أقرب إلى السينما السردية، حيث تتوالى المشاهد وتتقاطع دون فواصل تقليدية، مما يُكسب النص ديناميكية عالية.
أما الرمزية، فهي حاضرة بكثافة، إذ تتخذ الرواية من الخنجر والدم والخيانة رموزاً متكررة تشير إلى العنف المبطّن في التاريخ البشري، وإلى العلاقة المتشابكة بين الخير والشر وما بين الخلاص والموت، فهي ليست رواية للقراءة فحسب، بل لكي يعيش القارئ أحداثها ويتأمل ثيماتها، ذلك لأنها تفتح أمامه أبواباً للوعي والتفكير والتساؤل، وتتركه أمام مرايا متداخلة ومتعاقبة، يسأل نفسه قبل أن يسأل التاريخ.
يمكن القول إن رواية (السيكاري) تُعيد الإعتبار إلى الرواية التاريخية بوصفها ًأداة للتفكير لا للتوثيق فقط، إذ تجعل من الماضي مختبراً للأسئلة الراهنة حول السلطة، والحرية، والهوية، والمعنى.
توظف الكاتبة التاريخ لا لتؤرّخ، بل لتُعيد تفكيك فكرة التاريخ ذاتها: من يكتبه؟ ولمن يُكتب؟ وهل يمكن للإنسان أن يتحرر من دوامة التكرار؟ في هذا المعنى، فإن (السيكاري) تنتمي إلى نمط الروايات التي تُحاور القارئ وتستفز وعيه، وتدعوه إلى قراءة ذاته في مرآة الأنسان القديم. إنها نصٌّ يُنير بقدر ما يُربك، ويُدهش بقدر ما يُؤلم، ويُعيد للقارئ ثقةً بأن الأدب لا يزال قادراً على أن يُسائل الحقيقة لا أن يرويها فقط.
وأخيراً إن سلمى البكري في روايتها الثالثة (السيكاري) تُبرهن بما لا يقبل الشك على نضجٍ فكري وأدبي ووعيٍ فلسفيٍّ نادر، إذ استطاعت أن تمسك بخيوط التاريخ عن طريق الفكر والسرد الواعي في آنٍ معاً، دون أن تفقد اللغة بريقها وتأثيرها على المتلقي.
إنها رواية مليئة بالدهشة والتمرد والحركة، ومن خلالها نستطيع التأكيد على أن الرواية العربية المعاصرة قادرة على انتاج خطاب إبداعي رفيع المستوى لا يقل شأنًا عن التجارب الروائية العالمية.



