
✍️ أحلام أحمد بكري _ كاتبة سعوديه :
أجواء مُتراقصة وفرحة عارمة ومنزلنا مُكتظ بالمهنئين صغاراً وكِباراً وحلوى تُوزّع وقهوة البُن النافذة بنكهة الهيل والزعفران تُصب لكبار السِن ، بينما الأطفال أعدّت لهم أمي شراب التوت البارد بنكهة بخور اللبان الذكر والمستكة ، وأدخنة خشب العود عطّرت المكان وأبهجت الأرواح ، الكل يرتدي الجديد ويستعرض أمام الجميع زهواً وافتخاراً ، فلا عجب ؛ إنهُ صباح عيد الفطر المبارك الممزوج بروحانية رمضان وعبق العيد..
في خِضم كل ذلك انطلقت أختي التي تسبقني بسنوات إلى أمي لتهمس في أذنها ، لا أعلم ماذا قالتْ أختى لأمي ولكن تنبهتُ إيماء أمي برأسها بالموافقة وأردفتْ قائلة لها : تنبهي لأختك وأمسكي يديها كي لا تقع ، قفزت أختي طرباً وأخذت بيدي وأخرجتني من المنزل ، لا أعلم أين ستتجه بي ولا أعلم شيئاً مما في رأسها ، كنتُ أرتدي فستان العيد الزهري اللون ذا الطبقات الكثيفة من الدانتيل والتُل مُزيّن بشرائط حريرية مُتدلية على كتفي الأيمن ، وعلى كتفي الأيسر تدلّت حقيبة صغيرة ذات سلسلة حديدية رقيقة قد امتلأت بالحلوى والنقود المعدنية ، أخذَتْها مني أختي الكبرى ووضعتها على كتفها قائلة لي : حتى لا تضيع منك ، يجب أن أبقيها معي ، وانطلقت تجري بقوة وتسحبني معها وأنا أجاريها حيناً وأتعثر حيناً أخرى..
بعد أن عبرنا أزقة الحيّ ومررنا على معظم البيوت القديمة التي تتفاوت مابين البيوت المبنية من طابق أو طابقين بالطوب والحديد المسلّح وبعض البيوت الشعبيّة المبنيّة من الطين والحجر وتتوسطها العُشش المخروطية المصنوعة من القش والحبال الغليظة المحبوكة والطين إلى بعض البيوت المصنوعة من الخشب والحديد الزنك ، وصلنا لساحة كبيرة تتوسط منازل الحي تُسمى ساحة (السوادية) نسبة لمالكها ، أدهشني المنظر لوجود عدد كبير من الأطفال في هذه الساحة مُتحلقين حول أرجوحة خشبيّة كبيرة ضاربة أذرعها ومغروسة في أرض الساحة يتدلى منها حبال غليظة تُشبه الحبال التي رأيتها ذات مرة على شاطئ البحر تُمسك بقوارب الصيادين حتى لا تأخذها مياه البحر ، كانت هذه الحبال المُتدلية من الأرجوحة تحمل (قعّادة خشبية) من نوع -الحُول- لها أربع قوائم ، كل قائم من القعادة مربوط بحبل من حبال الأرجوحة وقد ارتفعت عن الأرض..
ومن لا يعرف القعّادة هي إرث ورمز شعبي أصيل ، ذلك السرير الخشبي المصنوع من خشب السدر أو النيم المؤطّر بالركبتين والسارعين المحبوكة بحبال الطفي المَجْدولة ، لها أشكال مختلفة منها مايسمى بالشبرية والكرسي ، والحُول ، و القعادة التي تحملها الأرجوحة كانت من نوع الحُول لأنها مغلقة من جميع حوافها الأربعة ليستطيع الأطفال الجلوس بها من الجانبين مُتدليّة أرجلهم من بين فتحات الحُول ممسكين بقوة بجزئها الخشبي الذي يصل لمنتصف صدورهم حتى لا يقعون عند تأرجحها..
كان (الحُول) يحمل ستة من الأطفال ، ثلاثة في كل جانب ، يرفعهم تباعاً على الحُول بعد أن يدفع كل طفل له خمسين هللة ، العم (علي أمسعيد) رجل ذو قامة طويلة وجسم ضخم بلون بشرة سمراء تميل للسواد وعيون واسعة حادة النظرة يلبس -الحوك- وهو إزار يغطي أسفله وقميص أبيض قد غرق من شدة العرق ويضع الطاقيّة البيضاء المصنوعة يدوياً على رأسه ، ذو صوت جهوري عالي النبرة يصرخ بكل قوته بعد أن يضع الأطفال على الحُول ويقول لهم تمسّكوا بقوة هياااااا ويقوم بدفع الحول بيده اليُمنى للأعلى ثلاث مرات لتتعالى أصوات الأطفال وتختلط مابين صرخات وضحكات وبكاء بعضهم ..
كل ذلك يحدث أمامي ونحنُ في انتظار دورنا في صعودها ، وأنا أقف بجانب أختي مُمسكة بكامل قوتي بيديها وجميع ما في داخلي يرجف يرتعد خوفاً من صعودها..



