أنا الذي نظر الأعمى إلى أدبي

✍️أماني الزيدان _ كاتبة سعودية :
“أنا الذي نظر الأعمى إلى أدبي”، بيت شعري خالد، يحمل في طياته معنىً عميقًا عن العزيمة والتميز والإبداع الذي يتجاوز حدود الحواس والمألوف. إنه إعلان فخر الذات، واعتزاز بالقدرة على ترك أثر يتجاوز القادرين، حتى أولئك الذين لا يستطيعون رؤية جمال ما نبدعه، لكنهم يشعرون بعظمته من عمق أثره. يمثل هذا البيت رمزًا للإنسان الذي صاغ مجده بيده، ونسج قريحته من صبره ومعرفته، الإنسان الذي لا يرضى بالاعتياد أو التقليد، بل يطمح للتميز ويخترق حدود العادي ليصل إلى الاستثنائي، سواء في الأدب أو الفن أو العلم. فحين يُنشد هذا البيت، ندرك أن المجد ليس دائمًا من نصيب الجماهير، بل من حق المبدع الذي يترك بصمة خالدة.
الأعمى الذي نظر إلى الأدب هنا هو رمز لكل من لم يكن قادرًا على رؤية الجمال بالعين، لكنه شعر به بالقلب والعقل. إن البيت يشير إلى رؤية حسية راقية لا تُدرك بالبصر وحده، بل بالإدراك الحقيقي لجمال الفن وقوة تأثيره على ذائقة البشر وأحاسيسهم. إنه يختصر المعنى العميق للفن الذي يلهم الروح، ويشحذ الهمم، ويغدو دافعًا نحو مزيد من الإبداع والتألق. ومن هنا يحق للشاعر أن يفخر، إذ إن الفخر يستوجب مثل هذا الرقي من البيان، ومثل هذه القدرة على لمس وجدان الناس بما لا تراه أعينهم ولكن تستشعره قلوبهم.
تكمن قوة الكلمات في قدرتها على الوصول إلى أعمق النفوس، لتلامس وجدان البشر قبل أبصارهم. كما قال الفيلسوف الألماني فريدريش نيتشه: “من لديه سبب للعيش، يستطيع أن يتحمل أي شيء.” فالمبدع لديه سبب ليبدع، لا يحتاج إلى تقدير أو مشاهدة، بل إلى حافز داخلي يوجّه فنه وعلمه وإبداعه.
هذا البيت يعلمنا أن قيمة الإنسان ليست فيما يراه الآخرون، بل فيما يقدمه ويصنعه من أثر في الحياة. فالتمسك بالموهبة والمثابرة على تطويرها يجعل الإنسان يترك بصمة لا تُمحى. كما قالت الكاتبة الأمريكية ميا أنجيلو: “لقد تعلمت أن الناس سينسون ما قلت، والناس سينسون ما فعلت، لكن الناس لن ينسوا أبدًا شعورهم الذي منحته لهم.” وهنا يتضح أن أثر المبدع الحقيقي لا يُقاس فقط بالاعتراف المباشر، بل بالشعور الذي يتركه في قلوب الناس.
الأدب الحقيقي يصل إلى الروح، يتجاوز العيون الحسية، ويصل إلى إدراك الإنسان العميق، كما قال المتنبي: “أنا الذي نظر الأعمى إلى أدبي وأسمعت كلماتي من به صمُّ.” إنها دعوة للمبدعين أن يسعوا دائمًا إلى المجد، وأن يتجاوزوا كل حدود، حتى لو لم يرهم الناس، فالأثر الحقيقي يبقى خالدًا.
هذا البيت يعكس درسًا مهمًا في العزيمة والتمسك بالموهبة، والاعتداد بالذات. فالمبدع الحقيقي يعمل لإبداعه، لا ليُشاهد من الآخرين، فعمله الصادق يترك أثره حتى وإن لم يلاحظه الجميع. الأدب والفكر والموهبة الحقيقية تتجاوز الحواس، لتصل إلى قلوب وعقول الناس مهما كانت التحديات، ومهما كانت القيود. كما قال الفيلسوف الفرنسي رينيه ديكارت: “الفكر يسبق كل شيء، والإنسان بحر عقله لا حدود له.” وها نحن نجد في هذا البيت الشعري خلاصة الإنسان المبدع: يرى بعقله وقلبه، ويتجاوز حدود العادة ليصل إلى عظمة تبقى للأجيال
للتواصل مع الكاتبة : amani 560638555@gmail .com



