“وتلك الأيام نداولها بين الناس”

✍️مسفر محمد الاكلبي _ كاتب سعودي :
قال الله تعالى في كتابه العزيز: “وتلك الأيام نداولها بين الناس”، آية تختصر سنن الحياة وتقلبها، وتذكر الإنسان أن لا دوام لحال، ولا استقرار لمجد أو ذل، فالأيام دول، والعبرة لمن اتعظ.
كان هناك شيخ كبير في السن، جاوز السبعين من عمره، يعيش في بيت متواضع يملؤه الوقار والسكينة. احتاج ذات يوم إلى خادمة تساعده في شؤون البيت، فجاءه أحد معارفه بخادمة من بلاد الحبشة، من قرية صغيرة تُدعى مصوّع.
ولما جلست الخادمة بين يديه، أراد أن يتحدث معها ليكسر حاجز الغربة، فسألها عن اسمها واسم أبيها وجدّها، وعن قريتها وأهلها. أجابته ببراءة ولهجة إفريقية ممزوجة بالعربية القديمة، فذكرَت له أسماءً بدت مألوفة في ذاكرته التي لم تخنه رغم تقدّم العمر.
فجأة تغيّر وجه الشيخ، وارتجف صوته وهو يقول:
“جدّكِ قلتِ اسمه فلان بن فلان؟!”
قالت: “نعم، جدي كان يعمل في ميناء مصوع قبل أكثر من خمسين عامًا.”
أطرق الشيخ رأسه، وعاد بذاكرته إلى ماضيه البعيد، حين كان شابًا قويًا يعمل في تجارة البحر بين جدة ومصوع. هناك تعرّف على رجل طيب من أهل تلك القرية، كان يعمل لديه بجد وأمانة، يجمعهما التعب والرزق الحلال، ويفرق بينهما الزمان والمكان.
مرت السنوات، وتغيّرت الأحوال، وها هو حفيد ذلك الرجل البسيط يعود إلى بيته، لكن في صورة حفيدته، خادمة جاءت تسعى لرزقها!
تنهد الشيخ وقال:
“سبحان الله… جدّك كنت اعمل لديه ، واليوم حفيدته تخدمني. صدق الله العظيم: وتلك الأيام نداولها بين الناس.”
وهنا دمعت عينا الخادمة، فقد أحست أن جدّها لم يُنسَ، وأن الخير الذي زرعه بالأمس عاد يحوم حول أسرته بعد عقود طويلة.
هكذا تدور الأيام بين الناس، فمن كان في علوٍّ قد يهبط، ومن كان في قاعٍ قد يعلو، ولا بقاء إلا للتقوى والعمل الصالح. فالدهر لا يرحم الغافلين، ولا ينسى الأوفياء، وما يُزرع في الأمس يُحصد في الغد، وإن طال الزمن.
للتواصل مع الكاتب : [email protected]



