حين يتحول الإنسان إلى مفسّر نوايا.. لا إلى إنسان

✍️د. شيخة بنت حامد _ كاتبة سعودية
خبير في الإدارة والقيادة الاستراتيجية، ومدير معتمد في الجودة والتميز المؤسسي :
ليست المشكلة أن يخطئ الإنسان في فهم الآخرين، بل أن يتوهم أنه يعرفهم أكثر مما يعرفون أنفسهم
ذلك الكائن المسمّى (المحلّل الاجتماعي)، الذي يقرأ النوايا من النظرات، ويستنبط الغايات من الصمت، صار اليوم ظاهرة تتكاثر في كل بيئة، كالأوبئة الفكرية التي تقتات على الشك وسوء الظن
هؤلاء لا يبحثون عن الحقيقة، بل عن قصة تملأ فراغ عقولهم، قصة ينسجونها بخيوطٍ من الوهم ويتناقلونها بثقة من لا يُخطئ.
التحليل المسموم
في كل مجلسٍ، وعلى كل منصة، يقف واحدٌ يقدّم نفسه خبيراً في النفوس
ينظر إلى ملامح الناس، فيخرج بحكمٍ نهائي:
هذا متكبّر، وتلك تُخفي نية، وذاك يتظاهر بالتواضع
إنه نوع جديد من الاستبداد المعرفي، أن تحاكم الناس بناءً على ما تتخيله لا على ما يفعلونه
التحليل هنا لا يُنير الفهم، بل يُطفئه.
إنه (تحليل مسموم) يتغذّى على الفضول والأنانية، وينشر العدوى بسرعة بين العقول الكسولة التي تفضّل السرد على الفهم.
الجهل حين يتنكر بوجه الفطنة
كل تأويلٍ بلا دليل هو جهل متنكر في هيئة ذكاء
الناس اليوم لا تكتفي برؤية الخطأ، بل تريد أن تشرح لك (لماذا فعله) و(ما الذي قصده)، وكأنهم شهود على ضميره لا على فعله.
التحليل الزائف صار لغةً اجتماعية جديدة:
كلٌّ يفسّر الآخر كما يحلو له، ثم يصدّق نفسه
وهنا تتبدّد الموضوعية ويُدفن الوعي تحت ركام التأويلات الرديئة
من (ألف ليلة وليلة) إلى (ألف رواية من الوهم)
في (ألف ليلة وليلة)، كان الخيال وسيلة للهروب من الواقع نحو المتعة
أما في تأويلات هذا الزمن، فالخيال وسيلة للهروب من المنطق نحو التشويه
هم ينسجون القصص لا لتُروى، بل لتُسمّم
قصصٌ تافهة تنبع من عقولٍ لم تتطهر من الغيرة أو من عقدة المقارنة، فتُصبح كل خطوة للآخر (مؤامرة)، وكل صمت (إدانة)، وكل نجاح (تمثيلية) أو سر يخفيه (أداة او شخص يعمل له)
إنه خيال متعفّن، يُخرج الواقع من معناه، ويحيل البشر إلى دمى في مسرحٍ من الظنون
حين يغيب الوعي، يحضر التحليل
المفارقة أن أكثر الناس كلاماً عن (الوعي) هم أقلهم ممارسة له
فالواعي لا يحكم من ظلال المشهد، ولا يضع النوايا في قوالب جاهزة
الواعي يسأل قبل أن يظن، ويتريّث قبل أن يفسّر
أما المهووسون بالتحليل، فلا يريدون الحقيقة، يريدون فقط أن يشعروا بالتفوّق
إنهم لا يقرأون الآخرين، بل يكتبونهم من جديد وفق ما يناسب عقدهم النفسية
الوعي ضد التحليل
لا أحد ينجو من التحليل في زمنٍ تسيطر فيه الشاشات والمراقبة الاجتماعية، لكن النجاة تبدأ من الداخل، أن تفهم نفسك قبل أن تُفسّر غيرك، وأن تتذكر أن ما تراه قد لا يكون ما هو عليه فعلاً
أن تمتلك شجاعة الاعتراف بأنك لا تعرف، بدل أن تختبئ خلف ذكاءٍ مزيف
في النهاية، الذين يكثرون من تأويل الآخرين هم في الواقع عاجزون عن تفسير ذواتهم
وما يُقال عن غيرهم ليس سوى مرآة تعكس هشاشتهم هم.
وربما آن لتلك العقول المهترئة أن تصحو من نومها الطويل، وتنظر حولها بدهشة المتعبين، لتسأل:
إلى متى؟ فالقاع مزدحم بنا… ألا نشتاق إلى العُلا؟
للتواصل مع الكاتبة : [email protected]



