عمر ياغي… من طفلٍ يشحّ عليه الماء إلى عالمٍ يسقي البشرية بالعلم

مكة المكرمة – هشام نتو :
الولادة والبدايات
وُلد العالم عمر مؤنس ياغي في العاصمة الأردنية عمّان عام 1965م، لعائلةٍ فلسطينيةٍ نزحت من يافا إلى الأردن عام 1948م بعد النكبة. نشأ في بيئةٍ متواضعة، تعاني من شحّ المياه والكهرباء، وهو ما غرس في نفسه حسّ الفضول العلمي والرغبة في إيجاد حلول عملية لمشكلات الحياة اليومية. كان منذ صغره مولعًا بالتركيب والتحليل، يعبث بالأجهزة المنزلية ليفهم كيف تعمل، لا ليتلفها.
التربية والتعليم
بدأ ياغي تعليمه في مدارس عمّان، ثم انتقل إلى الولايات المتحدة الأمريكية في سنٍّ مبكرة لإكمال دراسته الجامعية. التحق بجامعة ألباني – ولاية نيويورك، حيث حصل على درجة البكالوريوس في الكيمياء عام 1985م، ثم نال درجة الدكتوراه من جامعة إلينوي – أوربانا شامبين عام 1990م تحت إشراف البروفيسور والتر كريسي. أظهر منذ تلك المرحلة قدرة استثنائية على الربط بين النظرية والتطبيق، مما لفت الأنظار إليه في الأوساط الأكاديمية الأمريكية.

المسيرة الأكاديمية والمهنية
بدأ مشواره التدريسي كباحثٍ في جامعة هارفارد، ثم انتقل إلى جامعة ميشيغان، وبعدها إلى جامعة كاليفورنيا – لوس أنجلوس (UCLA)، حيث أسّس أول مختبرٍ للكيمياء الشبكية في العالم. وفي عام 2012م، انتقل إلى جامعة كاليفورنيا – بيركلي، حيث يشغل الآن كرسي جيمس ونيلتجي تريتر في الكيمياء، ويقود مختبر بيركلي للعلوم المتقدمة للطاقة والمواد.
كما أسّس “معهد العلوم العالمية في بيركلي” الذي يربط الباحثين من الدول النامية بشبكات علمية متقدمة، مؤمنًا بأن العلم لا وطن له.
الإسهامات والاكتشافات
أسّس ياغي مجالًا علميًا جديدًا يُعرف باسم الكيمياء الشبكية (Reticular Chemistry)، وهو علم يهتم بربط الجزيئات في هياكلٍ بلوريةٍ منظمةٍ تُعرف بـالأطر المعدنية العضوية (MOFs).
تُعد هذه المواد من أعقد الابتكارات الكيميائية في القرن الحادي والعشرين، لقدرتها على تخزين الغازات مثل الهيدروجين، والتقاط ثاني أكسيد الكربون، وتحويل الرطوبة في الهواء إلى ماء صالح للشرب — وهي تقنيات تعد بآفاقٍ واعدةٍ في الطاقة والبيئة والمياه .

الجوائز والتكريمات
نال ياغي سلسلةً من الجوائز العالمية المرموقة، أبرزها:
– جائزة نوبل في الكيمياء لعام 2025م تقديرًا لإسهاماته في تطوير المواد الشبكية (MOFs).
– جائزة الملك فيصل العالمية للعلوم (2015م).
– جائزة وولف في الكيمياء (2018م).
– جائزة آرثر كوب في الكيمياء غير العضوية (2009م).
– كما منحه خادم الحرمين الشريفين الملك سلمان بن عبدالعزيز الجنسية السعودية عام 2021م تقديرًا لقيمته العلمية وإسهاماته الإنسانية.
الرؤية والرسالة
يرى ياغي أن العلم أداة كرامةٍ للإنسان، وأن المعمل ليس مختبرًا للكيمياء فحسب، بل مختبرٌ للأمل. يدعو إلى الاستثمار في العقول الشابة وتمكين الباحثين من العالم العربي، مؤكدًا أن التحديات الكبرى مثل الماء والطاقة لا تُحل إلا بعلمٍ منفتحٍ وتعاونٍ عابرٍ للحدود.
لمحة إثرائية
من ضيق الأزقة في عمّان إلى أروقة “بيركلي”، ظل عمر ياغي يسير بخطى ثابتة نحو هدفٍ واحد: أن يُعيد للعلم إنسانيته. لم يكتفِ بتحويل الهواء إلى ماء، بل حوّل المعاناة إلى طاقةٍ خلاقةٍ تُروِي كوكبًا بأكمله.




