منبرٌ من نور

✍️ مها الشاعر – كاتبة سعودية :
ما بين الألم والأمل، كانت هناك مسيرة يتخلّلها النور حتى أصبح رداءها، فقد والده بعمر الثامنة، ثم أتم حفظ كتاب الله في العاشرة من عمره، ثم ما أن بلغ رشده حتى عاوده الفقد مرة أخرى بمصاب أعظم، ألا وهو فقد بصره في العشرينات من عمره، ولكن العظماء لهم في ذلك مسالك أخرى، فلا تكن مثل هذه العقبات إلا مفاتيح الإنطلاقة لتلقي الرحمات والفتوح الأعظم .
فقد الأب فكلأته عناية الرب، وعوضه بحفظ القرءآن كاملاً بعمر العشر سنوات، فقد حبيبتيه بفقد البصر، وكوفئ عنها بنور البصيرة والتي قادته بفضل من الله إلى أن يقف على منبر عرفة ٣٥ عاماً من عمره ولم تكن هذه المنقبة لأحد قبله من العلماء، ولا يخفى على مسلم فضل هذا اليوم بالزمان وبالمكان، فأي عوض هذا .. وأي كرمٍ هذا ..؟
إذا أبصر المرء المروءة والتُّقى
فإن عمى العينين.. ليس يضيرُ
رأيت العمى أجراً وذخراً وعصمةً
وإنَّي إلى تلك الثلاث فقير ..
لـ بشار بن برد.
في صباح الثلاثاء الماضي الثالث والعشرين من شهر سبتمبر الجاري، فُجِع الأصفياء من هذه الأمة، أصحاب العقائد السليمة بخبر وفاة مفتي عام المملكة العربية السعودية سماحة الشيخ عبدالعزيز بن عبدالله آل الشيخ، وليس فقط أهل السعودية خاصة، فموت العامة مصيبة ومصاب جلل على من يعرفه فكيف بموت العالم الفقيه ..
وقد أخبر النبي ﷺ أن الله لا ينزع العلم انتزاعًا ينتزعه من صدور الرجل، حيث قال ﷺ “أن الله لا يقبض العلم انتزاعًا ينتزعه من صدور الرجل، ولكن يقبض العلم بموت العلماء، حتى إذا لم يبق عالمًا اتخذ الناس رؤوسًا جهالًا فسئلوا فأفتوا بغير علم فضَّلَّوا وأضّلَّوا” .
فكيف لا تفجع الأمة بفقد منارة من منارات الدين، لطالما استقينا منها وعنها الكثير مما اختلط علينا من أمور ديننا بدنيانا، فالعلماء كما روي عن الكثير، هم كالنجوم الساطعة في السماء الظلماء، فكما كان الناس يهتدون بالنجوم قديماً في أسفارهم وفي حلهم وترحالهم، فبالعلم والعلماء يهتدي الناس في أمور دينهم وسائر أحوالهم وأخص بذلك العلماء الربانيين، فبهم يهتدي الضال في مسالك الحياة ومشاربها، بما وهبهم الله من نور ومن هدى.
قال الآجري -رحمه الله-: “فما ظنكم -رحمكم الله- بطريق فيه آفات كثيرة، ويحتاج الناس إلى سلوكه في ليلة ظلماء، فإن لم يكن فيه ضياء وإلا تحيروا، فقيض الله لهم فيه مصابيح تضيء لهم، فسلكوه على السلامة والعافية، ثم جاءت طبقات من الناس، لا بد لهم من السلوك فيه فسلكوا، فبينما هم كذلك إذ طفئت المصابيح، فبقوا في الظلمة، فما ظنكم بهم؟ هكذا العلماء في الناس، لا يعلم كثير من الناس كيف أداء الفرائض، ولا كيف اجتناب المحارم، ولا كيف يعبد الله في جميع ما يعبده به خلقه إلا ببقاء العلماء، فإذا مات العلماء تحيَّر الناس، ودرس العلم بموتهم وظهر الجهل”.
وفي ذلك أيضاً قولٌ شهير لابن مسعود -رضي الله عنه- حيث قال : “أتدرون كيف ينقص الإسلام؟ يكون في القبيلة عالمان، فيموت أحدهما فيذهب نصف العلم، ويموت الآخر فيذهب علمهم كله”، وقال -رضي الله عنه-: “موت العالم ثلمة في الإسلام لا يسدها شيء ما اختلف الليل والنهار”.
والثلمة في اللغة أي الشرخ أو الفجوة التي لا تُسدّ وهي كذلك في الدين .
فمما لاشك فيه بأن فقد العلماء مصابٌ جلل على الأمة وفقدٌ عظيم قلّما يُستدرك، ونحمد الله بأننا في دولة تزخر بأرباب العلم الأفذاذ والذي منّ الله علينا بهم، فهذه والله من أعظم النعم علينا في هذه الأرض، أن لا تفقد عالم من علمائها الكرام إلا وقيّض الله لها عالم لا يقل زهداً وورعاً وفقهاً عنه، فنسأل الله التوفيق لسماحة الشيخ صالح بن حميد خطيب وإمام الحرم المكي وأن يسخر له البطانة الصالحة من أهل العلم وأن يسدده ويوفقه لكل ما فيه رفعة لهذا الدين وللأمة جمعى فالمملكة العربية السعودية هي قلب العالم الإسلامي وبها مهوى أفئدتهم الحرمين الشريفين، وهي المرجع الديني الأساس لهم بفضل الله ، ونسأله بمنه وكرمه أن يتغمد والدنا وفقيدنا سماحة الشيخ عبدالعزيز بن عبدالله آل الشيخ بواسع رحمته وأن يجزيه عنا وعن العلم وأهله خير الجزاء ووافر العطاء والرحمة والمغفرة .
قال ابن القيم -رحمه الله-: “لما كان صلاح الوجود بالعلماء، ولولاهم كان الناس كالبهائم، بل أسوأ حالًا كان موت العالم مصيبة لا يجبرها إلا خلف غيره له”
*سيرةٌ من نور*
لعل الجميع عرِف وقرأ عن سيرته رحمه الله منذ أن كان صبياً يحفظ القرءآن بعمر العاشرة وحتى قُلّد منصب مفتي عام المملكة العربية السعودية، ورئيس هيئة كبار العلماء والبحوث العلمية والإفتاء رحمه الله .
ولعل أبرز ما أثار في النفس من ذكر مآثره الأيام الماضيه، هو استمراره بإستقبال طلبة العلم حتى قبل وفاته بيومين حين أشتد عليه المرض، بل وكان يغضب من المرافقين الصحيين عند منعهم أحد طلبة العلم من الدخول عليه ليُجيز قراءتهم ويقدّم لهم النصح والفائدة .
و مما أُثر عن سماحته رحمه الله قوله :
“حججتُ عن :الإمام النووي، وابن حزم، والمُنذري ،وابن عبد البر ،وفاءً لهم واعترافاً بفضلهم علي وعلى الأمة.
أي كرم هذا وأيُّ فضلٍ وأيُّ رفعةً في النفوس ..!
وفي مثل هذه النفوس العظيمة نستذكر ما قاله أبي العتاهية :
وكانت في حياتك لي عظات
وأنت اليوم أوعظ منك حيًّا .. !
رحم الله سماحة المفتي والعلامة عبدالعزيز بن عبدالله آل الشيخ وجبر مصابنا بفقده وأبدلنا خلفاً صالحاً حميداً موفقاً لكل خير بإذن المولى .
للتواصل مع الكاتبة : [email protected]



