كتاب الرأي

الحب العذري

ذكريات الولد الشقي

✍🏻د.  فايل المطاعني :

كلنا سمعنا عن “مجانين الحب” الكبار، من قيس بن الملوّح إلى عنترة بن شداد، ناس كانت تكتب قصائد تشقّ الحجر وتخلي الجمل يدمع من الرومانسية!
لكن، عندنا إحنا؟ الحب العذري كان له شكل ثاني… وأبطال مختلفين تمامًا في زمن  الطيبين – واللي ما أدري ليش سموه كذا، كأن الطيبين انقرضوا! – كانت أغلب العلاقات تبدأ من الجيران.
يا ما شافوا النوافذ قصص حب ما دخلت في كتب، ولا طلعت في مسلسلات.
كل شيء يبدأ بحرف. حرف صغير على كراسة كنا نسميها “دفتر المذكرات”.

هذا الدفتر يا جماعة، كان أخطر من موبايلات هالأيام. فيه أسرار، وخواطر، وأسماء مستعارة، وقلوب مرسومة بالقلم الأحمر، ووردة على أول اسم من اسمها… اللي ما تقدر تشوفها إلا وهي طالعة من المدرسة، أو رايحة البقالة تشتري علك “الموز ” ما كنا نعرف علكة اكسترا .

وإذا حصلت منك نظرة! بس نظرة!
يا سلام… نظرة واحدة تعيش عليها شهر كامل!
لكن لازم يكون فيه صديق مخلص، يسمع لك، ويكتم السر.

> – “أقسم بالله لا أقول لأحد!”
– “ترا لو أحد عرف، والله ما أجيب لك حلاوة مرة ثانية!”
– “لا تخاف، أنا حافظ السرّ مثل خزنة البنك!”
طبعًا كنا نقوم الصبح بدري مو لأننا نحب المدرسة، لا سمح الله!
لكن لأن باص مدرستها يجي بدري، ولازم نكون عند الباب نراقب اللحظة التاريخية اللي تطلع فيها… كأنها سندريلا راكبة باص بلدي.

وإذا راحت أو انخطبت؟
الحزن يحلّ، والوجه يذبل، ونقفل الباب على نفسنا ونسمع عبدالحليم:

 “اي كلمة حزن لا لا لا…”
وقتها كنا نتحدث مصري بطلاقة، ونفهم الأغاني أكثر من فهمنا لكتب الرياضيات!
نضرب عن الطعام، ونسير نرسم الورد ذابل في كل ورقة.

الغريب؟ إن آباءنا، رغم إن أغلبهم ما دخلوا مدارس، كانوا فاهمين كل شيء.
أمي تقول لي:

 “هاه؟ ما تبغى تأكل؟… أكيد صاير لك شي في المدرسة!”
وأبوي يقول:
– “إنت تحب؟ طيب اسمع، لا تخليها تعرف إنك ضعيف!”
ما كان فيه دكتور نفساني، ولا خصائي اجتماعي…
بس كان فيه حضن، وكلمة طيبة، ونظرة تفهم أكثر من ألف سؤال.
كبرنا… لكن ذاك الحب الطاهر، البريء، اللي يبدأ من دفتر وينتهي عند شباك، ما ننساه.
يمكن نضحك عليه اليوم، بس نعرف إنه كان أول مرة نحس إن قلبنا مو بس يضخ دم…
يضخ مشاعر بعد!

وإلى اللقاء في ذكرى جديدة من مذكرات “الولد الشقي”

عبدالله الحايطي

مؤسس ومالك صحيفة عنوان الأخبارية

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى