الحرب النفسية في زمن السوشيال ميديا

✍️علي العزي:
في زمن الحروب التقليدية، كانت الجيوش تتقدم على الأرض، تسبقها الطائرات والمنشورات الدعائية، وترافقها إذاعات تبث رسائل موجهة لهزّ معنويات الخصم. أما اليوم، فقد انسحبت الجيوش إلى الخلف، وتقدمت الجدران الرقمية، تحمل رايات الحرب النفسية على أكتاف الحسابات المؤدلجة، ومقاطع الفيديو المفبركة، والوجوه المزيفة التي تبتسم في صورة، وتبث السمّ في تعليق.
من الميكروفون إلى الميم
تقليدياً، اعتمدت الحرب النفسية على أدوات مركزية تابعة للدولة أو الجيش: الإذاعة، التلفزيون، الصحف، المنشورات. كانت السيطرة على الخطاب شبه كاملة، وكانت أداة موجهة من طرف واحد ضد طرف آخر محدد. العدو معلوم، والجمهور معروف، والرسالة تُبث وفق تكتيك محسوب.
أما اليوم، فقد تغيرت المعادلة. لم تعد الحرب النفسية تتبع تسلسلاً هرمياً، بل أصبحت أثيرية، تُدار أحيانًا من غرف مظلمة، وأحيانًا من غرف نوم لمراهقين أو مؤثرين لا يعلمون أنهم أدوات في معركة غير مرئية.
الوسيط صار هو الرسالة
المفارقة الأعمق في التحول الرقمي للحرب النفسية أن الوسيط الرقمي لم يعد فقط وسيلة نقل، بل صار هو الرسالة نفسها. فآلية عرض المعلومة في تطبيقات مثل تيك توك أو تويتر (X)، بتقنية التكرار الممزوجة بالإثارة، تجعل المستخدم أسيرًا لنفس الرسائل التي يُعاد تقديمها بصيغ مختلفة.
وهنا نقطة لم يُسلط الضوء عليها كثيراً: نحن لا نستهلك المعلومة كما نعتقد، بل يتم تدريب أدمغتنا، بشكل غير واعٍ، على تبني روايات معيّنة من خلال “مراوغة الخوارزميات” التي تظهر لنا ما نرغب بسماعه، لا ما يجب أن نعرفه.
الصدمة كأداة سيطرة
في الحرب النفسية التقليدية، كان هدف الصدمة هو كسر الخصم. أما في النسخة الرقمية، فالصدمة تُستخدم لكسر التركيز، لا للانهيار فقط.
تسريب صورة جثة، أو مقطع مذبحة، أو رسالة مجهولة المصدر عن انهيار وشيك، ليست مجرد أخبار سيئة؛ إنها تكتيك لخلخلة القدرة العقلية على التحليل، مما يجعل الفرد أكثر عرضة لتلقي “الحل الجاهز” الذي يقدمه طرف ما.
وبهذا، تتحول الحرب النفسية الرقمية إلى ما يشبه عملية غسيل عقلي منخفضة الكلفة، عالية التأثير، متكررة على مدار الساعة.
السياسيون: من ضحايا إلى مصمّمي المعركة
في العقود السابقة، كان السياسيون يشتكون من “الحروب الإعلامية”، أما اليوم، فكثيرٌ منهم أصبحوا مصمّمين محترفين في ساحات الحرب النفسية الرقمية.
يعرفون متى يصمتون ومتى يُطلقون تغريدة واحدة تغير المزاج العام. يُطلقون حملات مدفوعة بذكاء اصطناعي لرسم صورة بطولية لأنفسهم، أو لتشويه المناوئ بطريقة يصعب تتبع مصدرها.
الأكثر خطورة أن بعض الأنظمة السياسية صارت تُشجع الحروب النفسية الداخلية.
تُموّل جيوشًا إلكترونية تضرب داخل البلد نفسه: تُخوّن فئة، وتُؤله فئة، وتخلق انقسامًا عموديًا يُضعف المجتمع، حتى يصبح عاجزًا عن التوحد، ثم تقف لتقول: “أنظروا كم أنتم منقسمون… نحن الحل”.
ما الذي تغيّر؟
لعل المقارنة بين الحرب النفسية التقليدية ونظيرتها الرقمية تتيح فهم التحوّل البنيوي الذي حدث خلال السنوات الأخيرة.
في النسخة التقليدية، كانت الجهات المنفذة للحرب النفسية محصورة في الدولة أو الجيش، تُصدر الرسائل عبر قنوات محكومة مثل الإذاعة أو التلفاز أو المنشورات. أما في النسخة الرقمية، فالجهات أصبحت متنوعة؛ تشمل دولًا، أفرادًا، جماعات ضغط، وحتى حسابات مجهولة تستتر خلف أسماء وهمية.
الوسائل كذلك تطورت، من أدوات مركزية بطيئة مثل الصحف، إلى منصات رقمية فائقة السرعة كـ”فيسبوك” و”واتساب”، حيث تنتشر المعلومة لحظيًا وقد تصل إلى ملايين في دقائق.
من حيث الأثر، كانت الحرب النفسية التقليدية محدودة في الزمان والمكان؛ تُشن خلال حرب أو أزمة كبرى، ثم تخفت. أما الرقمية، فهي مستمرة بلا انقطاع، وقد تُستخدم في السلم أكثر مما تُستخدم في الحرب، مما يجعلها أكثر خطرًا وتسللًا إلى الوعي الجمعي.
أما السيطرة على الرسائل، فكانت في السابق شبه مطلقة بيد الدولة. اليوم، تلاشت تلك السيطرة، وأصبحت الساحة مفتوحة أمام كل من يحمل هاتفًا، وبعض المهارات، والكثير من النوايا الغامضة.
والأخطر أن الجمهور المستهدف لم يعد فقط العدو الخارجي، بل أصبح المجتمع نفسه، حيث تتحول أدوات التدمير من الخارج إلى الداخل، ومن الرصاصة إلى المنشور، ومن القصف إلى زر الإعجاب والمشاركة.
نحو وعي مضاد للحرب النفسية
قد لا نملك جيشًا رقميًا، ولا خوارزميات، لكننا نملك أهم سلاح: الوعي.
أن نشك، أن نتحقق، أن لا نُعيد نشر كل ما نراه، أن نسأل: “من المستفيد من هذه المعلومة؟”، أن نعلّم أجيال السوشيال ميديا أن ما يرونه ليس بالضرورة ما يحدث.
ولعل أخطر ما في الحرب النفسية الرقمية أنها لا تُعلن نفسها كحرب. فهي لا تقصف المدن، بل تهدم اليقين، وتعيد بناء الواقع وفق ما تريده القوى التي تحسن اللعب خلف الشاشات.
الخط الأمامي
لم تعد الحرب النفسية تدور في ساحات القتال، بل في العقول، على المنصات، وبين سطور منشور عابر أو صورة عبثية. أنت لست مجرد متلقيًا، بل قد تكون المستهدف، أو الأداة، أو الحاجز الأخير.
لا تكن وقودًا لحروب لا تراها، ولا تساهم، دون وعي، في زرع الخوف أو الكراهية أو الفوضى بمجرد نقرة “مشاركة”.
اسأل دائمًا: من يريدني أن أصدق هذا؟ ولماذا الآن؟
في زمن السوشيال ميديا، الوعي ليس خيارًا، بل من أساسيات البقاء.
للتواصل مع الكاتب [email protected]



