كتاب الرأي

فارس الأندلس… حين انتصرت الرحمة على السيف

✍🏻 محمد بن العبد مسن :

على تخوف من فارس  الأندلس… حين انتصرت الرحمة على السيف التاريخ، حيث تشتبك السيوف وتُسطر الصفحات الأولى لمجدٍ عابر للقرون، تلمع من بين غبار المعارك قصة ليست كغيرها من الفتوحات… قصة لم تُكتب بالحبر ولا بالسيف، بل بالشهامة . 

في فجر الأندلس، حين ارتفعت راية الإسلام على ضفاف طليطلة وقرطبة وغرناطة، وبينما كان القائد طارق بن زياد يُمسك بخيوط النصر، وقعت واقعة لم يدونها المؤرخون إلا بقلوبهم قبل أقلامهم . 

في إحدى تلك المعارك العنيفة، التي اشتدت فيها ضربات الحديد وصيحات الجند، تقدم من صفوف القوط فارسٌ ضخم، يشبه تماثيل الأساطير، مدجج بالسلاح، يتحدى رجال المسلمين بنداءٍ صريح:

“هل من مبارز؟”

سكنت الأصوات لحظة، ثم تقدّم من بين صفوف المسلمين فارس نحيل الجسد، عريض القلب، إنه عبد الله بن الزبير الفهري، أحد أولئك الرجال الذين لا يُعرفون بكثرة كلامهم، بل بفعلهم حين تدور رحى الحرب.

التحم السيفان، وتراقصت الخيول على إيقاع الموت، وتطايرت شرارات الحديد تحت وهج الشمس، حتى سقط الفارس القوطي على الأرض، والسيف يلمع فوق عنقه.

لكن ما حدث بعد ذلك، لم يكن متوقعًا… لم يهتف عبد الله بالتكبير، ولم يُجهز على خصمه كما تقتضي أعراف الحرب. بل تراجع خطوة، ونظر في عيني الرجل، وقال بصوت فيه من الثبات أكثر مما فيه من القسوة:

“لا أقتل فارسًا واجهني بشجاعة، وقد سقط مرفوع الرأس.”

سكت الميدان. كانت تلك اللحظة صاعقة. لم يعتد الناس أن يَرْحم الغالب خصمه، لاسيما إن كان من أبناء دينٍ آخر. لكنه الإسلام، حيث تُغمد السيوف حين تنتصر القيم.

اقتاد عبد الله الفارس القوطي إلى القائد طارق بن زياد، وأكرموه، بل خيّروه بين الإسلام أو العودة إلى قومه. هنا نطق الفارس بما دوّخه:

“دين يُوصي بالرحمة في ذروة الحرب، لا يمكن أن يكون من صنع بشر.”

وأسلم الرجل. ولم يكن وحده؛ فقد أسلم معه من تأثروا بالموقف من قومه، ودخلوا الإسلام عن قناعة، لا رهبة. وهكذا، انتصر عبد الله بن الزبير، لا على جسد خصمه، بل على قلوب قومه.

لقد دخل الإسلام إلى الأندلس مرتديًا عباءة الرحمة، لا مدرّعًا بالخوف. وسار التاريخ بعدها يردد هذه القصة، كلما خفَتَ بريق السيوف، وتألقت أخلاق الفرسان.

خاتمة:

ليست كل انتصارات الحرب تُقاس بعدد القتلى، بل أحيانًا، يكون الانتصار الحقيقي حين تُسقط سيفك لترفع إنسانيتك. لقد علّمنا عبد الله بن الزبير، في تلك اللحظة العظيمة، أن الفتح الأندلسي لم يكن غزوًا، بل رسالة… وأن أقوى ضربة في المعركة، قد تكون يدًا تُمدّ للسلام.

عبدالله الحايطي

مؤسس ومالك صحيفة عنوان الأخبارية

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى