كتاب الرأي

بين المقهى والممشى: لغة الناس وصناعة الرأي العام

                  ✍️د. شيخه بنت حامد :

في كل مجتمع، هناك أماكن غير رسمية لكنها شديدة التأثير، تصنع من خلالها الناس رؤيتهم للأحداث وتبلور مواقفهم. في السعودية اليوم، لم يعد المقهى مجرد مساحة لاحتساء القهوة، ولا الممشى مجرد مضمار للرياضة، بل تحولا إلى منصتين اجتماعيتين تُصاغ فيهما لغة جديدة للرأي العام.
في المقهى، حيث تختلط رائحة البن بأحاديث السياسة والاقتصاد والثقافة، يلتقي الموظفون والطلاب ورواد الأعمال، ويتنقل النقاش بين تفاصيل الحياة اليومية وأسئلة المستقبل الكبرى. هناك تتكون تعابير جديدة، ووعي جماعي يختبر ما يُقال في الإعلام الرسمي ويعيد صياغته بلغة الناس. وفي الممشى، حيث يمارس البعض رياضتهم اليومية، تتناثر الحكايات بين خطوة وأخرى: حديث عن الأسعار، تقييم لمشروع تنموي، أو قصة نجاح محلية. هذه الأحاديث العابرة، وإن بدت بسيطة، هي انعكاس لمزاج المجتمع واهتماماته الفعلية.
إن ما يقال بين المقهى والممشى يكشف أن صناعة الرأي العام لم تعد حكرًا على المنابر الرسمية أو المنصات الإعلامية الكبرى، بل صارت تنبض من قلب المجتمع نفسه، من لقاءات الناس اليومية، من لغتهم البسيطة وصراحتهم غير المتكلّفة. إنها لغة الشارع التي تُعيد صياغة الحقائق، وتحوّل التفاصيل الصغيرة إلى قضايا كبرى إذا ما تكررت وانتشرت.
ولعل الدرس الأهم هنا أن من يريد أن يفهم المجتمع عليه أن ينصت جيدًا لهذه الأصوات غير الرسمية، لأنها الأكثر صدقًا وشفافية. فالرأي العام لا يتشكل فقط عبر ما يُقال في الخطابات والبيانات، بل أيضًا عبر ما يُتداول بين المقهى والممشى، حيث تصنع الناس – بلا قصد – حكايتهم المشتركة.

للتواصل مع الكاتبة : [email protected]

عبدالله الحايطي

مؤسس ومالك صحيفة عنوان الأخبارية

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى