كتاب الرأي

القلم… بين الترميم والهدم

               ✍️ نايف حمد النعامي :

في عالمٍ تعجّ فيه الحروف، وتُستهلك فيه الكلمات كما تُستهلك السلع، يظل القلم شاهدًا على نية الكاتب قبل فكره.
قلمٌ يكتب ليرمّم… وآخر ليهدم.
قلمٌ يُبكي، وآخر يُضحك، وثالثٌ يلتفّ على القلوب كأنّه عناقٌ صامت.
فما أخطر الحبر إذا سال من نفسٍ مظلمة،
وما أجمله إذا خرج من قلبٍ نقيّ.

القلم… بين الترميم والهدم

منذ أن خطّ الإنسان أول علامة على جدار الكهف، لم يكن يكتب ليُقال عنه إنه كتب، بل لأنه لم يعد يحتمل الصمت.
وهكذا… صار القلم أكثر من أداة، صار ضميرًا، ومرآةً، وسلاحًا، وعزاء.

لا أحد يكتب بلا نية،
وما الحبر إلا وشمٌ خفيّ على القلب، يظهر للعيون المتأملة.

في هذه الحياة…
تتنوع الأقلام كما تتنوع الأرواح.
قلمٌ يرمّم، وقلمٌ يضحك، وقلمٌ يهدم،
وقلمٌ ينجو، وآخر ينتقم، وآخر يعلّم.

وهنا… تبدأ رحلتنا بين هذه الأقلام، بين الضوء والظلّ، بين الحياة والموت الذي تُخلفه بعض الكلمات.

قلمٌ يكتب ليرمّم

الكتابة ليست ترفًا حين تكون نجاة،
وليست حرفة حين تكون بلسمًا.

ذاك القلم الذي يكتب لأن شيئًا انكسر، لا في العالم، بل في الداخل…
هو القلم الذي يستحق أن يُحمل باليد كما تُحمل الحياة على أطراف الأصابع.

الرافعي والترميم بالصمت:

في أوراق الورد، لا نجد خطابًا للحبيبة فقط، بل خطابًا للذات وهي تحاول أن تلتئم بعد الخسارة.
كتب الرافعي:

“إنّ في قلبي حُزنًا طويلًا طويلًا… لا تداويه الرسائل، ولا تشفيه الكلمات، لكنني أكتب لأتذكّر أني لا زلتُ حيًا.”

هو لا يصرخ، بل يهمس…
ولا يطلب، بل يُلمّح…
ولا ينهار، بل يكتب كي لا ينهار.

المنفلوطي وجبر الخاطر:

في “النظرات”، يخبرنا المنفلوطي:

“القلوب إذا انكسرت، لا تُرممها إلا كلمة، ولا تحييها إلا دمعة صادقة تكتبها لغيرك، فتوقظها فيك.”

كان يكتب برقةِ طبيبٍ يُزيل الشظايا من الجسد دون أن يؤلم.

الأدب الغربي:

نجد عند فيكتور فرانكل، في كتابه “الإنسان يبحث عن معنى”، أن القلم كان خلاصًا من الموت الحقيقي في معسكرات النازية.
يقول:

“حين كنتُ أكتب، كنت أستعيد إنسانيتي، وأتذكّر أنني لست رقمًا، بل إنسان له معنى.”

قلمٌ يكتب ليضحك… لا ليسخر

الفكاهة الحقيقية ليست هروبًا، بل مواجهةٌ خفيفة لواقعٍ ثقيل.

بعض الأقلام تُشبه صوت الجدّة وهي تحكي حكاية قديمة وتضحك في نهايتها رغم البكاء الذي يسكنها.

أحمد خالد توفيق:

كتب في أحد مقالاته:

“نحن لا نكتب النكتة كي نضحك… بل لنقول الحقيقة دون أن يُطلق أحد النار.”

أنيس منصور:

في تأملاته، كان يقول:

“المثقفون لا ينتحرون من الألم، بل يكتبون نكتة تموت معهم.”

الرافعي – حكمة مرحة:

كتب الرافعي:

“بعض الجهلاء يُضحكونني، لا لأنهم مضحكون، بل لأنهم لا يعرفون أنهم يكتبون سطورًا ستكون ندمهم غدًا.”

الضحك هنا ليس استخفافًا، بل شفقة.

️ قلمٌ يكتب ليهدم

ثمة أقلامٌ لا تكتب… بل تُطلق النار.
كلماتها ليست حروفًا بل طلقات،
ولا تصدر من عقل، بل من غرورٍ أو حقدٍ أو فراغٍ مزخرف بالبلاغة.

الكاتب حين يكتب لينتقم من الحياة، لا ليعبّر عنها… يتحوّل قلمه إلى فأس.
يهدم القيم، ويغتال المبادئ، ويُشعل الحرائق ثم ينسحب باسم “الحرية”.

طه حسين وسيف النقد:

في كتابه “في الشعر الجاهلي”، أثار طه حسين زلزالًا فكريًا هزّ الساحة الثقافية.
قلمه كان أشبه بمِشرطٍ حادّ، أراد أن يفتح الجرح لا ليعالجه، بل ليكشف عمقه.
اختلف الناس حوله…
هل كان قلمًا يهدم أو قلمًا يعيد البناء؟

قال:

“الشك بداية اليقين.”
لكن البعض سمعها:
“الشك هدمٌ للمقدّس.”

جورج أورويل و”وزارة الحقيقة”:

في روايته “1984”، يصوّر أورويل قلم السلطة الذي يعيد كتابة التاريخ…
قلمٌ لا ينقل الحقيقة، بل يُشكّلها.
هنا، الحبر ليس تعبيرًا… بل تشويهًا منظمًا.

قلمٌ يكتب لينجو

بعض الناس يكتبون لا لأنهم أدباء… بل لأنهم يختنقون.

الكتابة حينها تُصبح رئةً احتياطية،
يكتبون كي لا ينهاروا، كي لا ينسوا أنفسهم، كي لا يصدقوا ما قيل عنهم.

الرافعي ونجاة الحب:

حين كتب الرافعي في “رسائل الأحزان”، لم يكن يطلب شيئًا…
كان ينجو، كان يطفو على سطورٍ لا يريد منها إجابة، بل خلاصًا.

قال:

“ما أكتبه ليس لك… بل عني، وعن ذلك الذي كنته يومًا.”

فرانكل مجددًا:

“الكتابة حافظت عليّ إنسانًا… في مكانٍ لم يكن فيه معنى للحياة.”

قلمٌ يكتب لينتقم

هناك قلم ينهض من تحت الركام…
لا ليرمّم، بل ليصرخ.

قلمٌ مجروحٌ بطعنة زمن أو خذلان شخص،
لا يبحث عن تعاطف، بل عن ساحة يُسقط فيها خصمه بالكلمة.

لكن… أي انتقام لا يُهذّب، يُصبح عبثًا.

بيرم التونسي:

كان بيرم يكتب ساخرًا، غاضبًا، ثائرًا.
نفاه الاستعمار، لكنه لم ينفِ قلمه.

كتب ذات يوم:

“يا عزيز الزائرين… زورونا كل سنة مرة، حرام عليكم تحرمونا… وتاكلوا عِشنا مرة.”

كانت الكلمات تنزف… لكن بطعم الضحك المالح.

قلمٌ يكتب ليُعلّم

وهناك قلمٌ لا يضحك، ولا يصرخ، ولا يشتكي… بل يزرع.

هو القلم الذي يكتب كأنّه يُعدّ الأرض لزرعٍ سيكبر بعد سنين.

علي الطنطاوي:

كان يكتب مقالاته كأنّه يُحادثك وحدك.

قال:

“الكتابة مسؤولية، والكاتب ليس من يملأ الورق، بل من يفتح نافذة في عقل القارئ.”

ابن المقفّع:

في كليلة ودمنة، كان الوعظ ملفوفًا بثوب الحكاية.
الكلمة حينها كانت حيلة للنجاة، والتعليم كان عبورًا آمنًا وسط دهاء السياسة.

خاتمة: حين يُصبح القلم ضوءًا… أو ظلًّا

في نهاية كل سطر، لا تسأل: ماذا كتبت؟
بل اسأل: لماذا كتبت؟

فالقلم لا يبرّئك، بل يفضحك.
لا يُظهر براعتك فقط… بل نواياك أيضًا.

قال الرافعي:

“كل كاتبٍ، لا بد أن يُوقّع على سطوره بروحه، حتى وإن لم يذكر اسمه.”

فاكتب كما لو أنّك ستُحاسب على كل حرف،
واختر قلمك كما تختار مصيرك…
لأن بعض الأقلام تشفي،
وبعضها لا يُمحى أذاه، ولو بعد ألف اعتذار.

للتواصل مع الكاتب [email protected]

عبدالله الحايطي

مؤسس ومالك صحيفة عنوان الأخبارية

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى