كلّنا خرزاتٌ في عقد الذكرى

✍️ عصماء بنت محمد الكحالية :
كأنني رأيتُ ذلك المشهد في حلمٍ سحيقٍ، لا تطرأ عليه الأيام، ولا يمسه التبدّل، يتكرر كلما أطبقتُ جفنيّ على العالم.
بيتُ جدّي، المنتصب على عبق الأزمنة الغابرة، لا يزال شامخًا في الذاكرة، كأنه محرابٌ للعائلة، تقيم فيه الأرواح لا الأجساد.
تحت سقفه تتآلف القلوب، وتنتظم حول شاشةٍ خارجيةٍ صغيرةٍ في مظهرها، لكنها أوسع من الدنيا في أثرها، تحملنا على أجنحة البدايات،
كنا أطفالًا، ودهشةُ الأشياء الأولى ترفرف في صدورنا كفراشاتٍ لم تُروّض بعد.
إلى جوارنا، تتعالى همسات الأمهات والعمّات وبناتهن،
وفي الداخل، يتحلّق الرجال حول الترقب، كأنهم ينتظرون صوتًا قادمًا من الأعالي.
كنا نسرق من الوطن لحظةً، بين ضحكةٍ مباغتة، وصرخةٍ تشقّ صمت الزمن، وارتعاشةِ عينٍ تُبصر ما لا يُقال.
الهواء كان يدور حولنا، كأنه يقتنص ارتعاشة الحكم ساعة أطلق الصافرة،
الهدف الأخير… ذاك الذي لم يخترق الشباك فحسب، بل استقرّ في أعماقنا كمقامٍ مقدّس.
هتفنا بلا وعي، كأن الصوت سبق الفكرة، وكأن الفرح سبق الفهم.
خرجنا من ذواتنا، كما تخرج الأغنية من حنجرة طائرٍ باغتته السماء، بلا تمهيد ولا مقطع أو لحن.
الحارة تضجّ،
الأبواب تُفتح على مصاريعها،
القلوب تتسابق كأن بينها موعدًا أزليًا،
السيارات تمضي كما تركض الأحلام في براءة الطفولة،
والأصوات تعلو حتى تغلب ضجيج العقل.
التفحيط؟ لم يكن فوضى… بل رقصة بهيجة على قارعة الإسفلت، كأن الأرض تشاركنا نشيد النصر.
وقفنا عند ممرّ السكة، كأننا ننتظر قطارًا من السماء،
العيد وُلد بلا موعد،
والشارع يضحك،
والناس، رغم أنهم لا يعرفون بعضهم، صاروا حينها عشيرةً واحدةً،
الهتاف صعد حتى ذاب في أذن الغيم.
وحين بدأ المطر يعدّ خطاه نحو الأرض،
تراجعنا جميعًا، لا هربًا، بل كأننا نعود من طقسٍ سماويٍّ خاشع،
رفعنا الفُرُش إلى العُلُوّ،
أدخلنا التلفاز كما يُطوى سفرٌ قديم من كتب الخلود،
عادت النساء ترتّب المكان،
والرجال… كانوا يرمقون السماء بعينٍ تمتلئ بالشكر دون أن تنطق.
كنت أعلم أن الغيم سيأتي،
لكنني لم أدرِ أن الفرح، في بعض الأزمنة، يسبقه.
وأن الذاكرة لا تحتاج إلا إلى مساءٍ مشحونٍ بالبشر، مغمورٍ بالضوء، مرصّعٍ بالرغبة.
كأن العالم، كلّه، انحشر في بيت جدّي ذات مساء،
ثم انفرط كما ينفرط العقد في الطين،
وكلّ منّا التقط منه خرزةً،
وخبّأها في قلبه…
إلى الأبد.



