من يقود بلا تقدير… يطفئ شعلة العطاء

✍️ سلوى راشد الجهني :
في بيئات العمل الحديثة، أصبحت أنظمة الحضور والانصراف وسيلة للرقابة الصارمة أكثر من كونها أداة لضبط سير العمل، بل بات الموظف يُقاس على أساس بصمته لا على أساس إنتاجيته. يُراقب الموظف بدقة متناهية، يُخصم عليه تأخر دقيقة، بينما لا يُكافأ على ساعة يقدمها صباحًا، أو ساعة يتأخر فيها مساءً لإنهاء مهمة أُسندت إليه. يُحاسب على تأخيره، ولا يُثمّن التزامه ولا إنجازه.
يدخل الموظف بيئة العمل وهو يحمل الطموح والجدية، لكنه يصطدم بثقافة وظيفية ترهقه نفسيًا وجسديًا، بدءًا من تحميله مهامًا خارج توصيفه، وانتهاءً بمدير لا يلتفت لجهده، بل يراه مجرد موظف يمكن استبداله متى شاء. يتلقى الموظف التوجيهات دون اعتراض، يُكلَّف بأدوار لم يتدرب عليها، يُسأل عن نتائج لم يكن طرفًا في التخطيط لها، وكل ذلك يُختزل لاحقًا في تقييم رقمي قد لا يعكس شيئًا من واقعه.
المؤلم أكثر حين يتعامل المدير مع الموظف بفوقية، فلا يرى فيه إنسانًا له ظروفه وأحواله، بل يراقبه كما تُراقب الآلات. فإذا حضر قبل الوقت لا يُلاحظ، وإذا تأخر دقيقة، كُتب عليه التقصير. وإذا أنجز مبكرًا، مُنع من المغادرة بحجة أن الوقت الرسمي لم ينتهِ بعد، دون أي اعتبار لإنجازه أو طاقته أو يومه الذي بدأه مبكرًا.
في تقرير صادر عن Gallup عام 2023، تبين أن أكثر من 70% من الموظفين يعانون من الاحتراق الوظيفي بسبب الضغط المتواصل، وعدم وجود تقدير حقيقي في بيئة العمل. كما أشارت الدراسة إلى أن 65% من الموظفين يتركون وظائفهم بسبب سوء العلاقة مع المدير المباشر، وليس بسبب ضعف الرواتب كما يُظن. فالقائد الذي لا يعرف كيف يُقدّر من يعمل تحت إدارته، يُطفئ فيهم الرغبة في البقاء والعطاء.
الاحترام لا يُكلف شيئًا، لكنه يُنتج ولاءً صادقًا. والمكافأة ليست دائمًا مادية، فالكلمة الطيبة، والنظرة المتفهمة، والثقة، والتقدير، كلها تُسهم في بناء بيئة صحية. الموظف إذا وجد من يُقدّر جهده، بادر وبذل وتحمّل وصبر، أما إذا وُضع تحت ضغط دائم، وتُرك دون دعم، فسرعان ما تنطفئ فيه الروح، ويتحول إلى جسد حاضر وعقل غائب.
من الظلم أن يُعامل الموظف على أنه عبء، وهو من يُدير المؤسسة بعمله اليومي. من القسوة أن يُخصم عليه بسبب تأخير اضطراري، بينما يُغفل أنه قضى أيامًا في بذلٍ مضاعف دون حتى كلمة شكر. من القصور الإداري أن يُطلب منه الالتزام الكامل بينما يُقابل بالتجاهل.
قال رسول الله ﷺ: “إن الله يحب إذا عمل أحدكم عملًا أن يتقنه” (رواه البيهقي وصححه الألباني). فالإتقان لا يأتي إلا في بيئة تُقدّر العامل، وتحت قيادة تعترف بجهده. وكما قيل:
“إذا أردت أن تُنجز العمل باحتراف، فاحترم من يقوم به.”
الإدارة الحقيقية لا تُقاس بصرامة الأوامر، بل بقدرة القائد على أن يُحيي العزائم، ويحتوي الناس، ويُخرج من كل موظف أفضل ما فيه. فمن يقود بلا تقدير، لا يطفئ شعلة العطاء فحسب، بل يُهدد روح العمل، ويخسر الإنسان قبل المؤسسة.
للتواصل مع الكاتبة [email protected]



