كتاب الرأي

لغز الأرملة السوداء

✍🏻 فايل المطاعني:

قناع الكابتن

خيّم الصمت على قاعة التحقيقات، قبل أن يرتفع صوت قوي، أشبه بطلقة يقظة:
ضرب العميد حمد الشميسي بقبضته على الطاولة أمامه، وقال بصوت يشبه الحكم الأخير:
– “لقد قُتل… نعم، مات مقتولًا. ترى، من فعلها؟ يبدو أن هذه القضية تحمل بين طيّاتها فصولًا أخرى، وأسرارًا لم تُكشف بعد.”

ثم التفت ببطء نحو زملائه، وعيناه تشعان بحزمٍ لا يلين:
– “المجرم، مهما طال به الزمان، سينتهي خلف القضبان. أظن أن اللعبة انتهت… لكن لا بد أن نُكمل القصة. فالتقرير الذي سأرسله إلى القيادة، يجب أن يكون كامل التفاصيل. نراكِ في سمائل، أيتها الحسناء الغادرة…”

ساد الصمت لحظة، قبل أن يضيف بصوت منخفض كمن يعلن نهاية الوهم:
– “أيها السادة، من قُتل لم يكن الدكتور علي سعيد… بل كان الكابتن عادل سعيد، شخصيًا.”

ارتفع حاجبا النقيب محمد بدهشة، بينما شهق المقدم سالم في غير تصنّع، في حين بدت الرائد ريم مذهولة.

قال العميد حمد بصرامة:
– “أسبوعٌ من التحريات، خدعنا خلالها الكابتن عادل بادّعائه أنه شقيقه الطبيب… لكن يد العدالة لا تنام، وقد كشفت عن القاتل، المتنكّر، الأخ… والمجرم.”

هزّ المقدم سالم رأسه وقال:
– “الفضل يعود للرائد ريم، يا سيدي… كلمات الشيفرة التي قدّمتها كانت المفتاح الذي فتح لنا بوابة الحقيقة.”

أطرقت ريم رأسها خجلًا، لكن ابتسامة العميد كانت مليئة بالاحترام والتقدير:
– “رجال الشرطة شركاء في النجاح، من غرفة العمليات حتى قاعات التحقيق. لكن… لا أنكر أن وجود الرائد ريم كان فأل خير علينا.”

ثم تابع وهو يسير ببطء إلى السبورة الإلكترونية، يرسم خيوط الجريمة أمامهم كأنه يعيد تشكيل ملامحها من العدم:
– “الكابتن عادل، لم يكن فقط يحمل غيرةً من أخيه… بل حقدًا دفينًا. الدكتور علي كان مثالًا للالتزام، محبوبًا، وقورًا… بينما عادل كان تائهًا، يشك في زوجته، ويغلي قلبه بغضٍ لا يخبو.”

ارتفع صوته قليلًا:
– “هي… هي من غذّت تلك الشكوك. لمّحت له بأن أخاه يتحرش بها… كذبًا وافتراءً. فقط لأنها أرادت الانتقام من رجل رفض النزول إلى مستواها.”

ثم أضاف وهو يشير إلى خارطة ولاية صور:
– “عندما حانت ساعة التنفيذ، استغل عادل عادة الدكتور الأسبوعية في الذهاب إلى طيوي، إلى الشاطئ الذي يحب… حيث يمارس هوايته في صيد الأسماك، وهدوء البحر يغسل روحه. وهناك… حلّ الليل بمصيره الأسود.”

اقترب سالم من الشاشة وقال:
– “لكن، حين رأينا الصور التي أرسلها جون كيلي، ظننا أن الرجل هو عادل… بينما هو في الحقيقة الدكتور علي.”

هزّ العميد رأسه:
– “جون كيلي… الصديق الظاهر، والجاسوس الخفي. تقرّب من علي، وتعلّم منه الصيد، لكنه كان يخطط للتهريب. لقد كان هو وعادل أعضاء في شبكة دولية، مهمتها غسيل الأموال وشحن المخدرات عبر البحر. وكانت الخطة جهنمية: يقتل عادل أخاه، يحلّ مكانه، ثم يستولي على عشرة ملايين ريال، ويغادر… برفقة زوجته، التي سيعيد الزواج منها باسم جديد!”

شهقت سعاد بنت طالب، وجلست مضطربة، فيما رمقها العميد بنظرة حادة وقال:
– “صحيح، لم تكوني تعلمين بخطة القتل… لكنك متهمة بقتل جون كيلي، بدافعك الخاص. خنتِ زوجك… لكنك – من دون أن تدري – خلّصته من أخطر شريك.”

هزّ المقدم سالم رأسه بأسى وقال:
– “سيدي، الإخوة في مكافحة المخدرات، فتشوا السفينة التي ورد اسمها في الشيفرة: إجازة خاصة. وُجدت في قريات، وبدت خالية… لا شيء فيها إلا كميات بسيطة لا تتعدى الاستخدام الشخصي.”

تسلّم العميد حمد الورقة، وردّد بصوت خافت كمن يهمس لمجهول:
– “إجازة خاصة… إجازة خاصة…”
ثم رفع رأسه وقال:
– “تابع، يا مقدم سالم.”

تابع سالم قائلاً:
– “تم القبض على أفراد العصابة… لكن السفينة كانت فارغة. ما سهّل عليهم الإنكار، وربما الهروب من حكم الإعدام.”

ضرب العميد الطاولة مرة أخرى، هذه المرة بقهر وغضب:
– “تنكّر عادل باسم شقيقه حيّرنا… خدعنا. لكن النهاية جاءت سريعة. غدره بصديقه كان القشة الأخيرة. أما أنتِ يا سعاد… فكنتِ خيطًا في نسيج عنكبوت أكبر.”

صمت الجميع، حتى قطع النقيب محمد السكون بصوت متهدج:
– “لن نعرف أبدًا مكان الشحنة الحقيقية… فقد مات عادل، ومعه مات السر. لكن… لماذا؟ لماذا يورط رجل مثله نفسه في هذا الطريق القاتل؟”

رفعت ريم نظرها ببطء، وأشارت إلى سعاد التي غطت وجهها بيديها، ودموعها تنهمر:
– “هي… إنها الأرملة السوداء.”

تقدمت ريم خطوتين إلى الأمام وقالت:
– “فيلا فاخرة… أثاث عالمي… تذاكر مفتوحة إلى باريس، وجنيف، والمال لا ينقطع… كل ذلك لم يكن يأتي من وظيفة كابتن طيران. الشيطان لم يوسوس له… بل كانت هي من همست. هو لم يقفز من الطائرة، بل سقط في شباكها. قتل شقيقه، دمّر مستقبله… كل ذلك من أجل امرأة. عنكبوت أسود، كانت تخونه مع صديقه.”

ساد الصمت مجددًا، لكنه كان هذه المرة أكثر فتكًا… كأن الجميع يسمع صوت حفيف شبكة عنكبوت تمتد في الظل.

🕸️ … يتبع
 للتواصل مع الكاتب : [email protected]

عبدالله الحايطي

مؤسس ومالك صحيفة عنوان الأخبارية

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى