ما أدراك أن العصفور يغني؟ لعله يبكي!

✍️ ع.م. ندى عزيز الخمعلي – كاتب راي :
ليس كل ما تراه أعيننا يعكس حقيقة ما تخفيه النفوس، وليس كل صوت جميل يحمل خلفه فرحاً، فقد تسمع عصفوراً يصدح فوق غصن شجرة، فتظن أنه يغني طرباً بالحياة، بينما لا تعلم ما إذا كان ذلك الصوت تعبيراً عن فرح أو نداءً أو حتى ألماً لا تدركه.
وهنا تكمن حكمة المقولة: «ما أدراك أن العصفور يغني؟ وأنت مبهور، لعله يبكي»، فهي دعوة إلى عدم التسرع في الحكم على الآخرين من خلال مظاهرهم أو كلماتهم أو ابتساماتهم، فكم من إنسان أجاد إخفاء أوجاعه خلف ابتسامة، وكم من شخص بدا لنا سعيداً وهو يحمل في داخله من الهموم ما لا تستطيع الجبال حمله.
في حياتنا اليومية نرى أشخاصاً يضحكون، ويمازحون، ويشاركون الآخرين لحظاتهم الجميلة، فنحكم بأنهم يعيشون حياة خالية من المتاعب، دون أن نفكر للحظة أن خلف تلك الابتسامة قصة لم تُروَ، أو معركة يخوضونها بصمت، أو خيبة لم يجدوا من يستمع إليها.
والأمر لا يتوقف عند الأفراد، بل يمتد إلى العلاقات الإنسانية ومواقف الحياة، فليس كل من صمت راضياً، وليس كل من ابتعد متكبراً، وليس كل من أظهر القوة لا يحتاج إلى من يسانده. أحياناً يكون الصمت أبلغ من الكلام، وتكون الابتسامة ستاراً يخفي وراءه ألماً عميقاً.
إن من أجمل صفات الإنسان أن يمتلك بصيرة تسبق أحكامه، ورحمة تسبق انتقاده، وأن يمنح الآخرين مساحة من العذر قبل أن يصدر عليهم أحكامه. فليس من العدل أن نحاكم مشاعر الناس من خلال ما يظهرونه لنا، ولا أن نقيس سعادتهم بمظاهرهم.
وقد قال الله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اجْتَنِبُوا كَثِيرًا مِنَ الظَّنِّ إِنَّ بَعْضَ الظَّنِّ إِثْمٌ﴾، وهي دعوة عظيمة إلى التثبت وعدم بناء المواقف على الظنون.
فلنكن أكثر إنسانية في تعاملنا، وأكثر تواضعاً في أحكامنا، وأقل انبهاراً بالمظاهر، فربما كان العصفور الذي ظنناه يغني يبحث عن أمان، وربما كان الإنسان الذي نحسده على ابتسامته يتمنى لحظة من الراحة والطمأنينة.
فليس كل ما يلمع ذهباً، وليس كل ما نسمعه فرحاً، وليس كل من ابتسم سعيداً… فبعض الدموع لا تسقط من العيون، بل تسكن القلوب.
للتواصل : [email protected]



