حين تصبح المشاعر عبئًا… لماذا نهرب مما نشعر به؟

✍🏻 أ – نجلاء العتيبي – كاتبة رأي :
ليس كل هروبٍ سببه الرغبة في الرحيل، ولا كل صمتٍ دليلًا على غياب الشعور. أحيانًا يبتعد الإنسان عن أكثر الأشياء قربًا إلى قلبه، لا لأنه لا يريدها، بل لأنه يخشى ما قد تتركه في داخله. وهنا تبرز مفارقة إنسانية تستحق التأمل: كيف يمكن للمرء أن يخاف من شعورٍ يتمناه، وأن يهرب من أمرٍ يتوق إليه؟
في أعماق النفس البشرية، ثمة مشاعر لا تجد طريقها إلى التعبير، لا لعجز اللغة عن وصفها، وإنما لعجز صاحبها عن تحمّل احتمالاتها. فالاعتراف بالمشاعر لا يعني مجرد الإفصاح عمّا يدور في الداخل، بل قد يعني مواجهة حقيقة ظل الإنسان طويلًا يتجنبها؛ حقيقة أنه ليس بمنأى عن الخذلان، وأن قلبه، مهما أحكم إغلاق أبوابه، لا يزال قابلًا للتأثر والانكسار.
ولعل الخوف من المشاعر لا ينبع دائمًا من طبيعتها، بل من التجارب التي ارتبطت بها. فمن ذاق مرارة الخيبة قد يصبح أكثر حذرًا من الأمل، ومن اختبر الفقد قد يرتاب من التعلّق، ومن لم يجد لمشاعره احتواءً في لحظة احتياج قد يتعلم إخفاءها حتى عن أقرب الناس إليه. وهكذا، تتحول التجارب الماضية، دون وعي أحيانًا، إلى حدودٍ نفسية تحكم علاقات الحاضر.
غير أن ما يبدو حمايةً للنفس قد يتحول، مع مرور الوقت، إلى عزلةٍ تفرضها على ذاتها.
فالهروب العاطفي لا يتخذ دائمًا صورة الابتعاد الواضح؛ قد يظهر في الانشغال المستمر، أو السخرية من المشاعر الجادة، أو إنهاء العلاقات حين تبدأ باكتساب عمقٍ حقيقي. وقد يتجلى في التظاهر باللامبالاة، بينما يخوض صاحبه صراعًا خفيًا بين رغبته في الاقتراب وحاجته إلى الشعور بالأمان.
إنها حالة تتنازع فيها النفس رغبتان متعارضتان: أن تُفهَم دون أن تنكشف، وأن تُحَب دون أن تصبح عرضةً للفقد، وأن تقترب دون أن تخاطر بالخذلان.
ولكن، هل يستطيع الإنسان أن يحمي نفسه من الألم دون أن يحرمها من الشعور؟
إن محاولة تجنّب المشاعر المؤلمة قد تمنح راحة مؤقتة، لكنها لا تعني بالضرورة تجاوزها. فثمة فرق جوهري بين أن يتعامل الإنسان مع مشاعره بوعي، وأن يتعامل معها بالإنكار. الأول يتيح له فهمها ووضعها في موضعها الصحيح، أما الثاني فقد يجعله أسيرًا لما يرفض مواجهته.
ولا يعني ذلك أن الإفصاح عن كل شعور ضرورة، أو أن الاقتراب دائمًا ضرب من الشجاعة؛ فالتريث ووضع الحدود قد يكونان أحيانًا تعبيرًا عن النضج. لكن الفارق يكمن في الدافع: هل نختار الابتعاد لأننا ندرك ما نريد، أم لأن الخوف يحول بيننا وبين ما نريد؟
هذا السؤال وحده كفيل بأن يكشف المسافة بين الحذر الواعي والهروب غير المعلن.
ولعل أكثر ما يرهق الإنسان ليس الشعور ذاته، بل المقاومة المستمرة له؛ أن يقضي أيامه في إقناع نفسه بأن ما يؤلمه لا يعنيه، وأن ما يفتقده لم يكن مهمًا، وأن ما يتمناه لا يستحق المحاولة. ومع تكرار هذا الإنكار، قد يعتاد الإنسان الصمت إلى الحد الذي يصعب معه التمييز بين ما تجاوزه فعلًا وما اعتاد تجاهله.
إن النضج العاطفي لا يقاس بقدرتنا على إخفاء ما نشعر به، ولا بمدى براعتنا في الظهور بمظهر اللامبالاة، وإنما بقدرتنا على فهم مشاعرنا دون أن نستسلم لها، والاعتراف بمخاوفنا دون أن نمنحها سلطة مطلقة على قراراتنا.
فليس مطلوبًا من الإنسان أن يفتح قلبه لكل عابر، ولا أن يخوض كل تجربة مهما كانت عواقبها؛ لكن من حقه على نفسه ألّا يجعل تجارب الأمس حكمًا نهائيًا على احتمالات الغد.
وفي نهاية المطاف، قد لا تكون المأساة في أن نخاف من مشاعرنا، فالخوف جزء أصيل من التجربة الإنسانية، بل في أن نسمح لهذا الخوف بأن يختار نيابةً عنا، وأن يرسم حدود حياتنا، وأن يقنعنا بأن النجاة تكمن في ألّا نقترب، وألّا نحب، وألّا نتأثر.
فبعض الناس لا يفقدون ما يحبون لأن الحياة انتزعته منهم، بل لأنهم انسحبوا منه خشية أن يفقدوه.
وربما يكون أشد أنواع الفقد قسوةً، أن يعيش الإنسان عمره يتجنب احتمال الألم، ثم يكتشف متأخرًا أنه، في محاولتضه المستمرة للنجاة من الخيبة، فوّت على نفسه فرصة الحياة بكل ما فيها من شعور.
للتواصل: [email protected]



