كتاب الرأي

أَنَحْنُ نَعِيشُ مَا تَمَنَّيْنَاهُ ، أَمْ نَنْتَظِرُ مَا لَمْ يَأْتِ

        ✍️ نوال العزاوي – كاتبة راي :

أَنَحْنُ، معشرَ البشر، نفقه حقًّا معنى الحياة؟ أم أنّنا نمضي في رحابها، نقطع من أعمارنا يومًا إثر يوم، ونحسب أنّنا أدركنا كنهها، فيما تظلّ حقيقتها أرحب من مداركنا، وأعمق من كلّ ما انتهت إليه تأمّلاتنا؟

ما الحياة؟ أهي أعوامٌ تتعاقب، وفصولٌ تتبدّل، وأعمارٌ تمتدّ من المهد إلى المشيب؟ أم أنّ وراء هذا الامتداد سرًّا خفيًّا يسكن أعماق الإنسان، ويوقظ في روحه الرغبة في المضيّ كلّما أوشكت مشقّة الطريق أن تُثقل خطاه؟

لطالما تأمّلتُ الإنسان في أطوار حياته، فرأيتُه يكبر، وتتبدّل ملامحه، وتتّسع مداركه، وتتغيّر رغباته، وتتعاقب عليه المسرّات والمحن، غير أنّ شيئًا عجيبًا يظلّ يصاحبه على اختلاف أعوامه وأحواله؛ أحلامه، تلك الأمنيات التي تولد صغيرةً في وجدانه، ثم تنمو معه، وتتّسع كلّما اتّسعت رؤيته للحياة، حتى تغدو أحيانًا أرحب من عمره، وأبعد من حدود واقعه.

ومن هنا نشأ في نفسي تساؤلٌ طالما استوقفني: أَنَحْنُ نعيش لنحقّق أحلامنا، أم أنّ أحلامنا هي التي تمنحنا القدرة على مواصلة الحياة؟

تأمّلوا طفلًا لم يعرف من الدنيا إلا دفءَ منزله، وحنان والديه، وبراءة العالم في عينيه. طفلًا لا يعرف شيئًا عن تعاقب الأعوام، ولا عن تقلّبات المصائر، ولا عن المشقّات التي تنتظره خلف أبواب الغد، غير أنّ قلبه الغضّ قد عرف التمنّي قبل أن يفقه معنى الأمنيات.

يرى لعبةً تستوقف بصره، فتتعلّق بها نفسه، وتغدو في عالمه الصغير أعظم ما يرجو امتلاكه. يحاول استرضاء والديه، ويُحسن التصرّف، ويترقّب الوعد، ويُحصي الأيام انتظارًا للحظة التي تستقرّ فيها تلك اللعبة بين يديه.

وربّما بات ليلته يُحدّث نفسه عنها، ويتخيّل كيف سيحملها، وكيف سيريها لأصدقائه، وكيف سيقضي معها ساعاتٍ من الفرح لا يحدّها في خياله انتهاء.

فإذا نالها أشرق وجهه ببريقٍ لا تشوبه هواجس الغد، وخُيّل إليه أنّ الدنيا قد وهبته كلّ ما يشتهي.

وما يدري ذلك الصغير أنّ الأمنية التي حسبها أعظم أمانيه ليست إلا أوّل صفحةٍ من كتابٍ طويل، وأنّ قلبه الذي امتلأ اليوم بفرحة لعبةٍ صغيرة سيحمل غدًا أمنياتٍ لا يستطيع حصرها، وأحلامًا قد يقضي في سبيل بعضها أعوامًا من عمره.

ولعلّ أعجب ما في الطفولة أنّ السعادة فيها لا تحتاج دائمًا إلى عظيم الأسباب؛ فقد يكفي الطفل وعدٌ ينتظره، أو هديةٌ يتلقّاها، أو رحلةٌ مع والديه، ليشعر أنّ الحياة قد بلغت غاية جمالها.

ثم يكبر قليلًا، ويعبر عتبة المدرسة، فإذا بالعالم الذي كان ينحصر في بيته وألعابه يتّسع أمامه، وإذا بأحلامه تخلع أثوابها الأولى، وتتّخذ صورًا لم يكن يعرفها من قبل.

يُسأل عمّا يريد أن يصبح حين يكبر، فيجيب بعينين تلمعان ببريق المستقبل: أريد أن أكون طبيبًا، أو مهندسًا، أو طيّارًا يُحلّق في أعالي السماء.

ينطق بتلك الألقاب كما لو أنّ الطريق إليها لا يتطلّب إلا أن يكبر قليلًا، وكأنّ الأعوام وحدها كفيلةٌ بأن تحمله إلى ما يشتهي.

لا يعرف بعدُ مشقّة السعي، ولا مرارة الإخفاق، ولا الليالي التي سيُخاصم فيها النوم ابتغاء غايةٍ يراها بعيدة المنال.

ومع ذلك، يبدأ في الاجتهاد، ويحرص على التفوّق، ويتعلّم أن النجاح لا يأتي دائمًا بغير جهد. ينتظر نتيجة اختباره، ويتأمّل درجاته، ويحمل شهادته إلى والديه وقد امتلأ قلبه بشيءٍ من الفخر.

ولعلّه لا يفرح بالدرجة نفسها قدر فرحه حين يرى السرور يرتسم على وجه أمّه، أو يسمع كلمات الثناء من أبيه، فيشعر أنّ نجاحه الصغير قد استطاع أن يمنح قلبين يحبّهما سعادةً عظيمة.

وهكذا تبدأ الأحلام في تجاوز حدود النفس؛ فلا يعود الإنسان يسعى ليفرح وحده، بل يكتشف، منذ بدايات عمره، أنّ في إسعاد من يحبّ لذّةً قد تضاهي لذّة الوصول نفسها.

وفي هذه المرحلة، تتشكّل في داخله أحلامٌ أخرى لا تتعلّق بالمهن والمستقبل وحدهما؛ فهو يحلم بصديقٍ يشاركه أيامه، وبمكانٍ يشعر فيه أنّه محبوب، وبقدرةٍ على إثبات نفسه بين أقرانه، وبأن يكون له شأنٌ في عيون من حوله.

وقد يحمل من طفولته ذكرى كلمةٍ طيّبةٍ قيلت له فآمن بقدرته على النجاح، أو كلمةٍ قاسيةٍ ظلّت تسكن ذاكرته أعوامًا، حتى غدا أحد أحلامه أن يُثبت لنفسه قبل غيره أنّه قادرٌ على أن يكون أفضل ممّا ظنّوا.

ثم تمضي السنون، ويبلغ الطفل عتبة المراهقة، حيث تبدأ الحياة بالكشف عن وجوهٍ لم يألفها، ويشرع الإنسان في اكتشاف عالمٍ أرحب من حدود طفولته.

وهنا لا تتغيّر أحلامه فحسب، بل يبدأ شيءٌ من الصراع بين ما كان يظنّه عن نفسه وما يكتشفه فيها.

من أنا؟ ماذا أريد؟ ما الذي يُميّزني عن الآخرين؟ وهل ينبغي أن أكون كما يتوقّع منّي الناس، أم كما أريد أنا أن أكون؟

أسئلةٌ قد لا ينطق بها، ولكنّه يحملها في داخله، وتنعكس على اختياراته، وأفكاره، وطموحاته، وحتى على نظرته إلى نفسه.

قد يرى أصدقاءه يبرعون في مجالاتٍ لا يُحسنها، فيقارن خطواته بخطواتهم، ويخشى أن يتأخّر عنهم، أو أن يعجز عن بلوغ ما بلغوه. وقد يُبدّل حلمه مرارًا، فيتعلّق اليوم بمهنةٍ كان لا يلتفت إليها بالأمس، ثم يكتشف بعد حينٍ أنّ قلبه يميل إلى طريقٍ آخر.

وقد يختبر في تلك المرحلة معنى التعلّق بالأصدقاء، والخوف من الفقد، والرغبة في أن يكون مقبولًا ومفهومًا ومحبوبًا.

ويصبح من أمنياته أحيانًا ما هو أبسط من جميع أحلام المستقبل؛ أن يجد من يُصغي إليه دون أن يحكم عليه، وأن يشعر أنّ له مكانًا لا يُضطر فيه إلى التظاهر بما ليس فيه، وأن يُدرك من حوله أنّ صمته قد يُخفي أسئلةً تعجز شفتاه عن الإفصاح عنها.

وما أغرب تلك المرحلة التي يقف فيها الإنسان بين طفولةٍ لم يغادرها تمامًا، ورشدٍ لم يبلغه بعد! فهو تارةً يتمنّى أن يكبر سريعًا، ليتحرّر من القيود التي يظنّها تحول بينه وبين أحلامه، وتارةً يحنّ إلى أيامٍ لم يكن يحمل فيها من الهموم إلا ما تنقضي بهجةُ يومٍ واحدٍ فيُنسيه إيّاه.

ثم ما يلبث أن يبلغ المرحلة الثانوية، فتأخذ الأحلام طابعًا أكثر جدّيّة، وتتقدّم إليه الحياة بأسئلتها التي لم يعد يستطيع إرجاء الإجابة عنها.

لم تعد الأمنية مجرّد عبارةٍ ينطق بها في مجلسٍ عائليّ حين يُسأل عن مستقبله، بل أصبحت غايةً يقيس بها جهده، ويُرتّب لأجلها أيامه، ويخشى أن يخسرها بعد طول انتظار.

تراه يستيقظ مبكرًا، ويحمل كتبه، ويقضي ساعاتٍ في المذاكرة، ويُحصي ما تبقّى له من اختبارات، فيما تقف في مخيّلته صورةٌ لمستقبلٍ يتوق إلى بلوغه.

يرى نفسه يومًا وهو يعبر بوّابة الجامعة، ويسير في ممرّاتها، ويحمل كتبه بين قاعاتها، ويُعرّف نفسه بالتخصّص الذي طالما تمنّاه.

وقد ينظر إلى طلبة الجامعة من حوله فيشعر أنّهم يعيشون حياةً ما زالت بعيدةً عنه، وأنّ بلوغها سيمنحه أخيرًا شعورًا بالإنجاز والاستقلال، وسيُثبت له أنّ أعوام تعبه لم تذهب سُدًى.

غير أنّ وراء تلك الصورة الجميلة خوفًا لا يقلّ حضورًا عن الأمل.

ماذا إن لم أنجح؟ ماذا إن لم أُقبل في التخصّص الذي أريده؟ ماذا إن بذلتُ ما استطعتُ، ثم لم تكن النتيجة كما تمنّيت؟

وقد يشتدّ هذا الخوف حين يرى فرحة والديه معلّقةً بمستقبله، فيشعر أنّه لا يحمل أحلامه وحده، بل يحمل معها آمالًا أُخرى يخشى أن يُخيّبها.

ثم تأتي لحظة النتائج، تلك اللحظة التي قد تبدو قصيرةً في حساب الزمن، ولكنّها تحمل في قلب صاحبها أعوامًا من الانتظار.

فإن نال مراده، أشرق وجهه بفرحٍ لا يكاد يسعه صدره، وهرع ليُبشّر أهله، وشعر أنّ بابًا عظيمًا من أبواب الحياة قد انفتح له.

وربّما وقف أمام رسالة قبوله الجامعيّ يتأمّلها مرارًا، غير مصدّقٍ أنّ ما كان يتمناه في خياله أصبح حقيقةً بين يديه.

وإن لم ينل ما أراد، فقد يجد نفسه أمام خيبةٍ لم يكن مستعدًّا لها، وقد يتساءل، والدمع يُثقل عينيه، كيف يمكن لأعوامٍ من السعي أن تنتهي إلى غير ما اشتهى.

ولكنّ الحياة لا تنتهي عند بابٍ لم يُفتح، ولا تنحصر أقدار الإنسان في طريقٍ واحد.

فكم من شخصٍ تعثّر في بداية دربه، ثم أعاد المحاولة، وكم من إنسانٍ لم ينل اختياره الأوّل، فإذا بما ظنّه عثرةً يقوده إلى مجالٍ أحبه، وأبدع فيه، ووجد لنفسه بين مسالكه مستقبلًا لم يكن يتصوّره.

وهنا يتعلّم الإنسان درسًا قد لا تُعلّمه إيّاه الانتصارات السهلة؛ أنّ الإخفاق لا يعني انتهاء الأحلام، وأنّ تبدّل الطريق لا يعني بالضرورة ضياع الوجهة.

ثم تبدأ الحياة الجامعية.

تلك المرحلة التي كانت في الأمس حلمًا بعيدًا، أصبحت واقعًا يتكرّر كلّ صباح، وقاعاتٍ يدخلها، ومقرّراتٍ يدرسها، وأصدقاء يلتقيهم، واختباراتٍ يستعدّ لها، ومسؤولياتٍ لم يكن يتخيّل يومًا مقدار ما ستشغله.

ولعلّ من أعجب مفارقات الحياة أنّ الإنسان قد يقضي أعوامًا يتطلّع إلى دخول الجامعة، ويحسب أنّ بلوغها منتهى أحلامه، فإذا تحقّقت أمنيته، وأصبح يعيش ما كان بالأمس يرجوه، انبثقت في وجدانه تطلّعاتٌ أرحب؛ فيحلم بالتخرّج، ثم بالعمل والنجاح والاستقرار، وتمتدّ أمنياته إلى الحبّ وتكوين الأسرة والأبوّة والأمومة.

وهكذا يكتشف أنّ ما حسبه يومًا غاية المطاف لم يكن إلا مطلعًا لرحلةٍ أخرى، وأنّ الأحلام لا تنقضي بتحقّقها، بل تتجدّد بتجدّد العمر واتّساع مداركه.

وما أعجب أن يعيش الإنسان اليوم في كنف أمنيةٍ طالما انتظرها بالأمس، ثم ينصرف ببصره إلى أمنية الغد، حتى يكاد يغفل عن أنّ ما بين يديه الآن كان يومًا أعظم ما يتمنّى!

وهنا أدركتُ مفارقةً إنسانيةً عجيبة:

أنّ الإنسان قد يعيش اليوم داخل حلمٍ قضى أعوامًا يتمنّى تحقيقه، ومع ذلك يظلّ قلبه مشدودًا إلى أحلامٍ أخرى لم يحن أوانها بعد.

أليس عجيبًا أن تصبح أمنية الأمس عادةً من عادات اليوم؟

وأن تغدو الحياة التي كنّا ندعو الله أن يبلغنا إيّاها تفاصيلَ نعيشها أحيانًا دون أن نتوقّف عند جمالها؟

وكم من مرّةٍ تمنّينا الوصول إلى مرحلةٍ بعينها، ثم ما إن بلغناها حتى انشغلنا بالتطلّع إلى المرحلة التي تليها، وكأنّ أعيننا اعتادت البحث عن البعيد حتى غفلت عن النعمة القريبة؟

بل لعلّ الأعجب من ذلك أنّ الإنسان قد يضيق يومًا بأعباء مرحلةٍ كان يتمنّاها، فيتأفّف من دراستها، أو مسؤولياتها، أو مشقّة أيامها، ناسيًا أنّه كان في زمنٍ مضى يرجو أن تُفتح له أبوابها.

وما إن تقترب نهاية تلك المرحلة حتى تتبدّل مشاعره من جديد.

فالطالب الجامعي الذي كان يترقّب يوم تخرّجه بفارغ الصبر، قد يجد نفسه، حين يدنو ذلك اليوم، وقد تسرّبت إلى قلبه رهبةٌ غريبة.

يفرح لأنّه أوشك أن يبلغ ما سعى إليه، ويحزن لأنّه يوشك أن يودّع حياةً ألِفها، وأماكن حفظت خطواته، ووجوهًا شاركته أعوامًا من عمره.

وقد يقف يوم تخرّجه مبتسمًا أمام عدسة التصوير، يحمل شهادته، ويلتفت إلى عيني والديه وقد غمرتهما الفرحة، غير أنّ في داخله سؤالًا جديدًا لم يكن يشغله بالقدر نفسه من قبل:

وماذا بعد؟

أليست هذه هي النهاية التي انتظرتها؟ فلماذا أشعر أنّني أقف أمام بدايةٍ مجهولة؟

وهنا تظهر إحدى مفارقات الحياة؛ أنّنا قد نحزن على انتهاء مرحلةٍ أمضينا أعوامًا نتمنّى تجاوزها، لأنّنا لا نعرف قيمتها كاملةً إلا حين تستعدّ للرحيل.

ثم يعبر الإنسان إلى مرحلةٍ جديدة، حيث يصبح مسؤولًا عن صناعة جانبٍ أكبر من مستقبله.

يبدأ في البحث عن عمل، ويكتب سيرته الذاتية، ويتقدّم إلى الفرص، ويترقّب الردود، ويحضر المقابلات، ويُحدّث نفسه كلّ مرةٍ بأنّ تلك الفرصة قد تكون بداية الحياة التي رسمها في خياله.

وقد يتلقّى قبولًا يملأ قلبه بالفرح، أو اعتذارًا يُثقله بالخيبة، أو يطول به الانتظار حتى يبدأ الشكّ يتسلّل إلى نفسه.

وربّما رأى من حوله يتقدّمون في مساراتهم، فيشعر أنّه تأخّر عن موعدٍ لا يعرف من الذي حدّده، وأنّ الحياة تمضي بالآخرين بينما لا يزال هو يبحث عن موضع قدمه.

وقد لا تكون مشقّته في غياب الفرص وحده، بل في ثقل المقارنة، وفي خوفه من أن يخيب رجاؤه في نفسه، أو أن يعجز عن بلوغ الصورة التي رسمها لمستقبله.

غير أنّ للأعمار مواقيت مختلفة، وليس كلّ تأخّرٍ إخفاقًا، ولا كلّ وصولٍ مبكّرٍ دليلًا على اكتمال النجاح.

ثم قد يأتي اليوم الذي يحصل فيه على عمله الأوّل.

ذلك العمل الذي انتظره طويلًا، وتخيّل كيف سيكون يومه الأوّل فيه، وكيف سيُصبح قادرًا على الاعتماد على نفسه، وكيف سيُهدي والديه شيئًا من ثمرة تعبه.

وحين يتقاضى راتبه الأوّل، قد لا تكون فرحته بما يحمله المبلغ من قيمةٍ مادية فحسب، بل بما يمثّله من أعوامٍ مضت، ومن تعبٍ أثمر، ومن إحساسٍ بأنّ خطواته بدأت تترك أثرًا في أرض الواقع.

ولعلّه يشتري به هديةً لأمّه أو أبيه، فيعود إليه شيءٌ من شعور طفولته الأولى؛ لكنّ المشهد هذه المرّة قد انعكس.

كان في صغره ينتظر أن يشتري له والداه ما يتمنّى، وأصبح اليوم يجد سعادةً عميقةً في أن يمنحهما شيئًا ممّا كسبته يداه.

وهكذا تتبدّل مواقعنا في الحياة، حتى نجد أنفسنا يومًا نمنح الآخرين ما كنّا ننتظر أن يمنحونا إيّاه.

ثم يألف الإنسان عمله شيئًا فشيئًا، وتكبر طموحاته، فيحلم بالترقّي، وبأن يُحسن صنعته، وأن يكون لوجوده أثرٌ يتجاوز أداء واجباته اليومية.

وربّما اكتشف أنّ العمل الذي ظنّه غاية أحلامه لم يكن سوى بدايةٍ لطموحٍ أوسع، أو أدرك بعد أعوام أنّ الطريق الذي اختاره لم يعد يُشبه ما يريد أن يقضي فيه بقية عمره، فيبدأ رحلةً جديدة من البحث وإعادة الاختيار.

وليس في ذلك ما يُنقص من قيمة ما مضى؛ فالإنسان لا يظلّ نسخةً واحدةً من نفسه طوال حياته، وقد تكون شجاعته أحيانًا في مواصلة الطريق، وأحيانًا أخرى في الاعتراف بأنّ عليه تغيير اتجاهه.

ثم تتّسع الحياة، وتتعدّد وجوهها، ولا تعود الأحلام جميعها معلّقةً بالدراسة والعمل وإثبات الذات.

فمن الناس من يتطلّع إلى الزواج، وإلى أن يجد شريكًا يشاركه امتداد العمر، ومنهم من ينصرف إلى طموحاتٍ أخرى، ولكلّ إنسانٍ طريقه الذي تتشكّل فيه أمنياته على قدر أحواله واختياراته.

وقد يحلم المرء بالحبّ قبل أن يعرفه، ويرسم في مخيّلته صورةً لقلبٍ يأوي إليه، ولإنسانٍ يُشاركه ما تعجز الكلمات أحيانًا عن حمله.

يحلم ببيتٍ لا يكون مجرّد جدرانٍ وأثاث، بل موطنًا للسَّكن، ومأوىً من صخب الأيام، ومكانًا يستطيع فيه أن يخلع عن روحه أثقال العالم.

وحين يبلغ ما تمنّى، يجد أنّ للحياة المشتركة أحلامًا أخرى لم يكن يدركها وهو يتخيّلها من بعيد.

فالحبّ الذي كان يراه لحظاتٍ من الأُنس والبهجة يصبح أيضًا صبرًا، ومشاركةً للمسؤوليات، وحرصًا على قلبٍ آخر، ورغبةً في أن يظلّ الودّ قائمًا مهما تبدّلت الظروف.

وقد يصبح من أعظم أحلامه ألّا تسرق مشاغل الحياة من علاقته دفئها، وأن يبقى قادرًا على إسعاد من أحبّ، وأن يجتاز معه تقلّبات العمر دون أن يفقدا معنى المودّة التي جمعتهما.

ثم قد يرزقه الله الأبناء، فتبدأ في وجدانه مرحلةٌ أخرى لا تُشبه ما سبقها.

تأمّلوا تلك الأمّ التي تحمل طفلها للمرّة الأولى.

ربّما كانت قبل أعوامٍ فتاةً صغيرةً تحلم بمستقبلها، وتضع لنفسها أهدافًا تسعى إلى تحقيقها، ثم ها هي اليوم تحمل بين ذراعيها إنسانًا جديدًا، تشعر أنّ قلبها قد اتّسع لمحبّةٍ لم تختبرها من قبل.

تنظر إلى ملامحه، وتُحصي أنفاسه، وتتأمّل يديه الصغيرتين، ثم تبدأ أمنياتٌ جديدة تتوالد في داخلها.

تتمنّى أن ينشأ بصحّةٍ وعافية، وأن تسمع ضحكته، وأن ترى خطواته الأولى، وأن تنطق شفتاه بأوّل كلمة، وأن يكون له من السعادة في الدنيا ما تتمنّاه له بقلبها كلّه.

وكذلك الأب، قد يجد نفسه أمام مسؤوليةٍ تُغيّر نظرته إلى الحياة، فلا يعود يفكّر في مستقبله وحده، بل في مستقبل طفلٍ أصبح جزءًا من حاضره وغده.

وقد كان قبل أعوامٍ يسعى وراء حلمٍ يخصّه، فإذا به الآن يسعى وراء أحلامٍ لم تتشكّل بعد في عقل طفله، ويتمنّى أن يُمهّد له الطريق قبل أن يعرف ذلك الطفل كيف يخطو فيه.

ثم يكبر الأبناء، وتكبر معهم أمنيات والديهم.

يتمنّون لهم النجاح في المدرسة، والرفقة الصالحة، والصحّة والعافية، وراحة البال، وأن يكون مستقبلهم أرحب من حاضر آبائهم، وأن يجدوا من الفرص ما لم يجدوه هم في مقتبل أعمارهم.

وربّما سهر الأب أو الأمّ قلقًا على اختبارٍ يخوضه أحد أبنائهما، أو انتظرا نتيجة قبوله الجامعيّ بشغفٍ لا يقلّ عن شغفه هو.

وهنا تتجلّى صورةٌ إنسانية تستحقّ التأمّل.

ذلك الطفل الذي كان يحاول استرضاء والديه لينال لعبةً يتمناها، قد يصبح بعد أعوامٍ أبًا يسعى ليُحقّق لأبنائه أمنياتهم؛ فيتحوّل من صاحب حلمٍ ينتظر العون إلى إنسانٍ يجد في إعانة غيره على تحقيق أحلامه معنىً عظيمًا لحياته.

ومع ذلك، لا تخلو هذه المرحلة من مشاعر متناقضة.

فقد يسعد الوالدان بكلّ خطوةٍ يخطوها أبناؤهما نحو الاستقلال، ثم يشعران في الوقت ذاته بشيءٍ من الحنين إلى طفولتهم التي مضت.

يُفرحهما أن يصبح الطفل قادرًا على الاعتماد على نفسه، ولكنّهما قد يشتاقان إلى يده الصغيرة حين كانت تتشبّث بأيديهما، وإلى صوته حين كان يناديهما من آخر المنزل، وإلى تلك الأيام التي كانت فيها أمنياته كلّها بسيطةً وقريبة.

وكلّما كبر الأبناء، ازداد إدراك الوالدين أنّ الزمن لا يتوقّف، وأنّ الأطفال الذين كانوا بالأمس يملؤون البيت لعبًا وضحكًا أصبحوا اليوم يحملون أحلامًا تخصّهم، ويتقدّمون نحو حياةٍ قد تبعدهم عن حضن البيت الأوّل.

ثم يأتي يومٌ يُغادر فيه أحد الأبناء منزله للدراسة أو العمل أو الزواج، فتختلط في قلب والديه مشاعر الفخر والفرح بشيءٍ من الوحشة.

قد تقف الأمّ أمام غرفة ابنها التي اعتادت ضجيجه، فتجدها أكثر هدوءًا ممّا ألفت، وتبتسم حين ترى شيئًا من مقتنياته القديمة، ثم تدرك أنّ الطفل الذي كانت توقظه للمدرسة قد أصبح إنسانًا يسعى إلى بناء حياته.

وقد يتأمّله أبوه وهو يتّخذ قراراته، ويتحمّل مسؤولياته، ويشقّ طريقه في العالم، فيرى فيه صورةً من شبابه البعيد.

وما أعجب هذه اللحظة؛ أن يُفرحنا تحقّق ما تمنّيناه لمن نحبّ، ثم يُوجعنا قليلًا ما يقتضيه ذلك التحقّق من تغيّرٍ وابتعاد.

وهنا أدركتُ، وأنا أتأمّل حياة عائلتي ، أنّ الإنسان قد يقضي مرحلةً من عمره مشغولًا بأحلامه، ثم يقضي مرحلةً أخرى وهو يسعى إلى أن يرى أحلام أحبّته تتحقّق.

فالأب الذي نراه اليوم أبًا، كان في الأمس شابًّا له طموحاته ومخاوفه، والأمّ التي نعرفها أمًّا كانت يومًا فتاةً تحمل في قلبها أمنياتٍ لا يعلم تفاصيلها إلا الله.

كان لهما، قبل أن نولد، عالمٌ كاملٌ من الأحلام.

كانا يحلمان بمستقبلٍ جميل، وبنجاحٍ يسعدهما، وببيتٍ يجمعهما، وربّما تمنّيا يومًا أن يرزقهما الله طفلًا، فإذا بذلك الطفل يكبر أمام أعينهما، ويصبح هو نفسه صاحب أحلامٍ جديدة.

فكم من مرّةٍ نظرنا إلى والدينا بوصفهما مصدرًا للرعاية والطمأنينة، ونسينا أنّهما إنسانان لهما أمنياتٌ لم تتحقّق، وخيباتٌ تجاوزاها، وأحلامٌ تنازلا عن بعضها، وأعوامٌ من السعي سبقت وجودنا في حياتهما؟

وكم من أبٍ أخفى تعبه خلف ابتسامةٍ حتى لا يشعر أبناؤه بثقل ما يحمله؟ وكم من أمٍّ أجّلت أمنيةً تخصّها كي تمنح أبناءها فرصةً لبلوغ ما يتمنّون؟

وحين نتأمّل ذلك بوعيٍ أكبر، ندرك أنّ ما نراه اليوم حياةً عائليةً مألوفة قد يكون ثمرة أحلامٍ قديمة، وتضحياتٍ طويلة، وسنواتٍ من الصبر والعمل والمحبّة.

غير أنّ للأبوّة والأمومة وجهًا آخر يستحقّ الإنصاف؛ فليس معنى أن يحمل الإنسان أحلام أبنائه أن تتلاشى أحلامه الشخصية، ولا أن يصبح وجوده كلّه مرهونًا بما يحقّقه الآخرون.

فللوالدين أيضًا حقٌّ في أن يواصلا الحياة بأمنياتهما، وأن يحقّقا ما استطاعا من طموحاتٍ ربما أخّرتهما عنه مسؤوليات السنين.

وما أجمل أن يكبر الأبناء حتى يصبحوا عونًا لوالديهم، لا في قضاء حاجاتهم فحسب، بل في إحياء ما ظنّاه من أحلامهما قد انتهى أو فات أوانه.

ثم تمضي الأعوام، ويبلغ الإنسان مرحلةً تتوسّط اندفاع الشباب وهدوء الشيخوخة.

مرحلةً قد يلتفت فيها إلى الوراء، فيتأمّل ما أنجزه، ويُحصي ما فاته، ويتساءل عمّا إذا كان قد عاش كما أراد يومًا.

يرى بعض أحلامه القديمة وقد تحقّق، وبعضها قد تبدّل، وأخرى ما زالت مؤجّلةً في زوايا قلبه.

وربّما وقف أمام صورةٍ قديمةٍ له في مقتبل عمره، فتأمّل وجهه الذي لم تكن قد خطّته التجارب، وسأل نفسه: هل أصبحتُ الإنسان الذي كنتُ أتمنّى أن أكونه؟

وقد يشعر بالرضا عمّا بلغ، وقد يجد في نفسه حنينًا إلى طرقٍ لم يسلكها، وقراراتٍ لم يتّخذها، وفرصٍ مضت ولم يستطع العودة إليها.

لكنّ قيمة العمر لا تكمن في أن يأتي مطابقًا لما رسمناه له، بل في أن نستطيع أن نرى المعنى فيما عشناه، وأن نُدرك أنّ بعض التحوّلات التي لم نخترها قد صاغت فينا من الحكمة والرحمة ما لم تكن أحلام الشباب لتمنحنا إيّاه.

وفي هذه المرحلة أيضًا قد تبدأ الأدوار بالتبدّل داخل الأسرة.

فالابن الذي كان يستند إلى قوّة أبيه، ويطمئنّ إلى رعاية أمّه، قد يجد نفسه شيئًا فشيئًا موضع اعتمادهما، يحمل عنهما بعض ما أثقلتهما به السنون.

قد يمسك يد أبيه عند صعود الدرج، وهي اليد التي أمسكت يده يومًا وعلّمته المشي.

وقد يُرافق أمّه إلى الطبيب، ويتابع دواءها، ويطمئنّ إلى راحتها، وهي التي أمضت من عمرها ليالي تُراقب حرارته وتُهدّئ أوجاعه.

ويا لها من صورةٍ بليغةٍ لدورة الحياة ، أن تصبح اليدُ التي كنتَ تتّكئ عليها في صِغرك هي ذاتها اليدُ التي تتّكئ عليك حين يُثقلها الكِبَر.

وفي تلك اللحظات لا تعود أحلام الإنسان مقصورةً على النجاح والمال والمكانة، بل قد تصبح أعظم أمنياته أن يُطيل الله في أعمار والديه، وأن يراهما في صحّةٍ وعافية، وأن يُتاح له من الزمن ما يُعينه على ردّ شيءٍ من جميلهما.

وهكذا يتغيّر معنى الحلم مرةً أخرى.

فما كان يُعدّه الإنسان في شبابه أمرًا عاديًّا، قد يصبح في مرحلةٍ أخرى نعمةً عظيمةً يرجو دوامها.

قد كان يحلم بالسفر والترقّي والإنجاز، ثم يجد أنّ صباحًا يطمئنّ فيه على أحبّته، أو اجتماعًا عائليًّا لا يغيب عنه أحد، من أثمن ما تستطيع الحياة أن تمنحه.

ثم يأتي العمر بما لا تُنبئنا به أحلام البدايات.

قد نفقد من نحبّ، وقد تتبدّل الظروف، وقد تُغلق أمامنا أبوابٌ لم نكن نتخيّل يومًا أنّها ستُغلق.

وفي الفقد تتغيّر الأمنيات على نحوٍ لا تُشبهه التحوّلات الأخرى.

فقد يصبح أعظم ما يتمناه الإنسان لحظةً واحدةً مع شخصٍ غاب عنه، أو صوتًا اعتاد سماعه، أو مجلسًا عائليًّا لم يكن يدرك قيمة اكتماله إلا بعدما افتقد أحد وجوهه.

وهنا يتعلّم القلب أنّ بعض الأشياء التي لم نكن نعدّها أحلامًا، لأنّها كانت حاضرةً في حياتنا، تتحوّل بعد غيابها إلى أمنياتٍ لا سبيل إلى استعادتها.

ويُدرك المرء أنّ قيمة الحياة لا تكمن في الأشياء العظيمة وحدها، بل في تفاصيل صغيرةٍ قد لا نلتفت إليها إلا حين تصبح ذكريات.

ثم تستمرّ السنون في مسيرها، حتى يبلغ الإنسان مشارف الشيخوخة، وتترك الأيام آثارها على ملامحه، وتُهدّئ من اندفاع شبابه، وتُعيد ترتيب أولوياته.

وهنا، حين قد نظنّ أنّ الأحلام قد انتهت، وأنّ المرء لم يعد ينتظر من الدنيا شيئًا، نكتشف أنّ في قلبه أمنياتٍ لا تزال حيّة، وإن تغيّرت صورها.

قد لا يعود المنصب الذي حلم به شابًّا أعظم ما يشغله، ولا الممتلكات التي سعى إليها غاية ما يتمناه، بل يصبح من أعزّ أمانيه أن يرى أبناءه وقد استقرّت حياتهم، وأن يطمئنّ على أحفاده، وأن يشهد من نجاحاتهم وأفراحهم ما تقرّ به عينه.

وقد يجلس في مجلسٍ عائليّ، تحيط به وجوه أبنائه وأبناء أبنائه، فيراهم يتحدّثون عن دراستهم وأعمالهم وأحلامهم، فيبتسم وقد عادت به الذاكرة إلى أعوامٍ بعيدة.

يتذكّر نفسه حين كان في أعمارهم، وكيف كان يتحدّث بالحماسة ذاتها عن مستقبله، وكيف كان يظنّ أنّ العمر طويلٌ بما يكفي لتحقيق كلّ ما يشتهي.

ثم ينظر إلى ما حوله، فيرى أنّ الحياة التي كانت يومًا أمامه بكامل احتمالاتها، قد أصبحت خلفه أعوامًا من الذكريات، وأمامه وجوهًا تحمل امتداد حكايته.

وقد يكون أعظم ما يرجوه أن يبقى قادرًا على مشاركتهم أفراحهم، وأن يشهد طفلًا جديدًا يُولد في الأسرة، وأن يرى الأحلام التي ساعد يومًا على غرسها وقد أثمرت في حياة أجيالٍ جاءت من بعده.

غير أنّ الشيخوخة لا تعني بالضرورة انطفاء الطموح؛ فقد يجد الإنسان فيها فسحةً لهوايةٍ أجّلها، أو علمٍ اشتاق إلى تعلّمه ، أو صلحٍ يرجو إتمامه، أو أثرٍ نافعٍ يتمنّى تركه بعد رحيله.

وقد تكون أمنياته أقلّ صخبًا من أحلام الشباب، ولكنّها ليست أقلّ قيمةً أو عمقًا.

وما أعجب هذا التحوّل!

ذلك الطفل الذي كان يبذل جهده ليسترضي والديه من أجل لعبةٍ صغيرة، أصبح شيخًا قد تكون أعظم أمنياته أن يرى أحبابه سعداء، وأن يُغادر الحياة وقد اطمأنّ إلى أنّه ترك في قلوبهم ذكرى طيّبة.

وكأنّ الحياة تبدأ بأمنيةٍ نطلبها لأنفسنا، ثم تتّسع بنا عامًا بعد عام، حتى نتعلّم أنّ من أعظم ما يُمكن أن نرجوه أن نكون سببًا في طمأنينة غيرنا.

ولعلّ أجمل ما في هذا الامتداد أنّ الأحلام لا تنقضي بانقضاء أصحابها، بل قد تتجدّد في الأجيال التي تأتي بعدهم.

فقد يأتي يومٌ يرى فيه الإنسان حفيده يحلم بما كان يحلم به في صباه، ويشهد في عينيه البريق ذاته الذي أضاء عينيه قبل أعوامٍ طويلة.

وحينئذٍ يكتشف أنّ الزمن، وإن مضى به إلى عمرٍ جديد، قد أعاد إليه شيئًا من طفولته في صورةٍ أخرى.

فما كان يومًا أمنية الابن يصبح فرحة الأب، وما كان حلم الأب قد يغدو حلم الحفيد، حتى تبدو الأعمار كأنّها صفحاتٌ متعاقبةٌ من كتابٍ واحد، تُكتب فيه الحكايات بأسماءٍ مختلفة، ولكنّ الرجاء يظلّ أحد خيوطها الممتدّة.

غير أنّ الحياة ليست طريقًا مفروشًا بتحقّق الأمنيات، ولا كتابًا تُكتب جميع فصوله على الصورة التي يشتهيها أصحابه.

فكم من حلمٍ تعثّر قبل بلوغه، وكم من أمنيةٍ انتظرها الإنسان أعوامًا ثم لم تتحقّق، وكم من بابٍ ظلّ يطرقه حتى أدرك أنّ عليه أن يبحث عن بابٍ آخر.

وكم من إنسانٍ أمسى وقد ضاقت عليه الدنيا بما رحبت، واستثقل ما يحمله من هموم، وخُيّل إليه أنّ الأيام لم تُبقِ له شيئًا يستحقّ التطلّع إليه.

ثم يأتي صباحٌ جديد، فينهض وفي قلبه بقيّةٌ من رجاء؛ ربّما أمنيةٌ صغيرة، أو وجهٌ يشتاق إلى رؤيته، أو مسؤوليةٌ يحملها بحبّ، أو غايةٌ لم يفقد بعدُ إيمانه بإمكان بلوغها.

فيستجمع شتات نفسه، ويخطو خطوةً أخرى، وربّما كانت تلك الخطوة الصغيرة أعظم انتصاراته؛ لأنّه لم ينتصر فيها على عائقٍ من عوائق الطريق، بل على اليأس الذي كاد يُقنعه بأنّ الطريق لم يعد يستحقّ المحاولة.

وهنا يتجلّى أحد أعمق معاني الأحلام؛ فهي ليست مجرّد صورٍ نرسمها لمستقبلٍ نرجوه، بل قد تكون أسبابًا تُعيننا على احتمال الحاضر، وقناديل نستهدي بها حين تشتدّ عتمة الأيام.

ومع ذلك، فليس من الإنصاف أن نجعل قيمة الحياة مرهونةً بما نحقّقه من أحلام؛ فالإنسان أكرم من أن تُختصر حياته في منجزاته، وأعمق من أن يُقاس عمره بعدد الأمنيات التي استطاع بلوغها.

فثمّة جمالٌ في الطريق نفسه، وفي المحاولات التي صقلتنا، وفي العلاقات التي منحت أيامنا معناها، وفي اللحظات التي لم نخطّط لها، فجاءت محمّلةً بسعادةٍ لم تكن على قائمة أحلامنا.

وربّما لم تكن بعض أمنياتنا التي لم تتحقّق خساراتٍ خالصة؛ فقد تُعلّمنا ما لم يكن النجاح ليُعلّمنا إيّاه، وقد تصرفنا عن طريقٍ حسبناه قدرنا، لنكتشف بعد حينٍ أنّ للحياة وجوهًا من الخير لم تُحسن مخيّلتنا تصوّرها.

إنّ الأحلام تستحقّ أن نسعى إليها، ولكنّ الحياة تستحقّ كذلك أن نعيشها في أثناء السعي.

وما أعجب هذه الحياة في تعاقب بداياتها ونهاياتها!

فما إن يبلغ الإنسان غايةً ظلّ زمنًا طويلًا يتطلّع إليها، ويظنّ أنّه قد وصل إلى خاتمة أحلامه، حتى تتكشّف له من وراء تلك الخاتمة بدايةٌ أخرى.

كأنّ كلّ حلمٍ يتحقّق يفتح نافذةً تطلّ على حلمٍ لم يكن في الحسبان، وكأنّ الوصول الذي ظننّاه نهاية الرحلة لم يكن إلا العتبة الأولى لرحلةٍ جديدة.

نحسب أنّنا إذا بلغنا ما نريد سنبلغ الاكتفاء، فإذا بنا نكتشف أنّ الأيام قد وسّعت رؤيتنا، وأنّ ما كنّا نراه بالأمس قمّة الأمنيات أصبح اليوم أرضًا نقف عليها لنُبصر آفاقًا أبعد.

غير أنّ في هذا التطلّع المستمرّ وجهًا آخر ينبغي ألّا نغفل عنه.

فقد يقضي الإنسان طفولته يتمنّى أن يصبح شابًّا، ثم يقضي شبابه يتطلّع إلى الاستقرار، فإذا استقرّ انتظر نجاحًا آخر، وإذا بلغه تطلّع إلى ما بعده، حتى تمضي به الأعوام وهو يؤجّل شعوره بالحياة إلى موعدٍ لا يكاد يأتي.

قد يقول لنفسه: سأكون سعيدًا حين أدخل الجامعة، ثم يقول حين أتخرّج، ثم حين أعمل، ثم حين أتزوّج، ثم حين يكبر أبنائي، ثم حين أستريح من مسؤولياتي.

وكلّما بلغ المرحلة التي علّق عليها سعادته، وجد أنّه قد نقلها إلى مرحلةٍ تالية.

حتى إذا التفت ذات يومٍ إلى الوراء، وجد أنّه أمضى عمره ينتظر أن تبدأ الحياة، بينما كانت الحياة تمضي به في كلّ لحظةٍ من لحظات الانتظار.

ولعلّ هذه إحدى أعظم المفارقات الإنسانية: أن نُمضي أعمارنا نسعى إلى الحياة التي نتمناها، ثم نكتشف متأخّرين أنّ الحياة التي كنّا نبحث عنها كانت تجري في تفاصيل الأيام التي انشغلنا بتجاوزها.

فكم من طالبٍ تذمّر من صباحاته الجامعية، ثم تخرّج وأصبح يحنّ إلى ممرّات جامعته!

وكم من موظّفٍ كان يترقّب انتهاء أيام العمل المرهقة، ثم اكتشف بعد أعوامٍ أنّ تلك الأيام كانت تحمل إليه من اللقاءات والتجارب والمعاني ما لم يكن يلتفت إليه!

وكم من أبٍ أو أمٍّ تمنّيا أن يكبر أطفالهما لتخفّ عنهما مشقّة رعايتهم، ثم ما إن كبروا حتى اشتاقا إلى أصواتهم الصغيرة، وإلى ضجيجهم الذي كان يملأ المنزل، وإلى الأعوام التي كانا يظنّانها طويلةً فإذا بها تمضي كأنّها لم تكن إلا لحظة!

وكم من إنسانٍ كان يتمنّى الاستقلال عن والديه، ثم بلغ من العمر ما جعله يتمنّى لو يعود يومًا واحدًا طفلًا يجلس إلى جوارهما، لا يحمل من هموم الدنيا شيئًا، ولا يحتاج إلى أن يكون قويًّا أمام أحد!

إنّ الحياة لا تُنبّهنا دائمًا إلى أنّنا نعيش لحظاتٍ سنشتاق إليها يومًا.

ولا تُخبرنا ونحن نعبر مرحلةً من مراحلها أنّ صباحًا عاديًّا قد يصبح بعد أعوامٍ ذكرى عزيزةً نتمنّى لو استطعنا استعادتها.

ولذلك فإنّ الحكمة لا تكمن في أن نكفّ عن الحلم، ولا في أن نرضى بما نحن عليه رضًا يمنعنا من السعي، بل في أن نتعلّم كيف نجمع بين الامتنان لما نملك والرجاء فيما نأمل.

أن نُحبّ الحاضر دون أن نتخلّى عن المستقبل، وأن نفرح بما أنجزناه قبل أن ننشغل بما لم ننجزه، وأن نُدرك أنّ للحياة جمالًا يستحقّ أن نراه في كلّ مرحلةٍ من مراحلها، لا في نهايات المراحل وحدها.

ولعلّ أعمق ما انتهيتُ إليه من تأمّل أنّ الأحلام لا تكبر معنا فحسب، بل تُعيد تشكيل معاني الأشياء في نفوسنا.

فما كان غاية سعادتنا في الطفولة قد لا يساوي شيئًا في أعيننا حين نكبر، وما كنّا نعدّه أمرًا عاديًّا في شبابنا قد يصبح أمنيةً عزيزةً حين تتقدّم بنا السنون.

وأنّ الإنسان لا ينضج حقًّا بمجرّد تعاقب الأعوام، بل حين يدرك أنّ الحياة ليست سباقًا لا ينتهي نحو ما ينقصه، وأنّ قيمته لا تتوقّف على ما امتلكه أو بلغه، وأنّ بعض أعظم مكاسبه قد تكون في قلوبٍ أحبّته، وذكرياتٍ عاشها، وخيرٍ تركه وراءه.

وحين أعود إلى سؤالي الأوّل، أجد أنّني لا أستطيع اختصار الحياة في الأحلام وحدها، كما لا أستطيع أن أتخيّلها خاليةً من قدرة الإنسان على التمنّي.

فلعلّ الحياة أوسع من أحلامنا جميعًا؛ فيها ما نطلبه وما يُوهب لنا دون طلب، وفيها ما نبلغه وما يفوتنا، وفيها الفرح الذي انتظرناه طويلًا، والفرح الذي جاءنا على حين غفلة، وفيها من المحبّة والفقد والصبر والرجاء ما لا يتّسع له تعريفٌ واحد.

ولكنّني أدركتُ أنّ للأحلام فضلًا عظيمًا في أن تُبقي أرواحنا متطلّعةً إلى الغد، وأن تمنح مساعينا وجهةً، وأن تُذكّرنا، كلّما ظننّا أنّ الحكاية قد اكتملت، بأنّ في العمر صفحاتٍ لم تُكتب بعد.

فقد يكون الإنسان اليوم في قلب أمنيةٍ طالما رفع يديه إلى السماء يرجو تحقيقها، بينما ينشغل قلبه بأمنيةٍ أخرى لم يحن أوانها.

وقد يكبر، ويشيخ، وتتبدّل أحلامه، ثم يلتفت ذات يومٍ إلى حياته، فيرى أنّ ما حسبه محطّاتٍ منفصلةً كان في حقيقته رحلةً واحدةً، وأنّ كلّ بدايةٍ حملت في طيّاتها نهايةً، وكلّ نهايةٍ فتحت له بابًا إلى بدايةٍ أخرى.

فما أجمل الحياة حين نُحسن التطلّع إلى الغد دون أن نهجر اليوم، وحين نعرف أنّ السعي إلى الأحلام لا ينبغي أن يحجب عنّا جمال الطريق المؤدّي إليها.

وما أعظم أن يبلغ الإنسان من الوعي مبلغًا يستطيع معه أن يقول: إنّني لا أزال أحلم، ولكنّني لن أؤجّل سعادتي حتى تتحقّق أحلامي جميعًا.

فليست الحياة أن نصل دائمًا إلى ما نريد، بل أن نُدرك قيمة ما بين أيدينا، وأن نحمل في أرواحنا شجاعة المحاولة، وسكينة الرضا، وجمال الرجاء.

ولعلّ أبلغ ما يمكن أن يُختتم به هذا التأمّل هو أن نسأل أنفسنا، ونحن نُمعن النظر فيما ننتظره من الغد:

كم من حلمٍ نعيشه الآن، وقد نسينا أنّنا تمنّيناه بالأمس؟

وكم من لحظةٍ نُسرع في عبورها اليوم، ستصبح بعد أعوامٍ من أعزّ ما نتمنّى العودة إليه؟

فلا تجعلوا أحلام الغد تحجب عن أعينكم جمال أحلام الأمس التي تحقّقت؛ فقد تكون الحياة التي تعيشونها اليوم هي ذاتها الحياة التي رفعتم أكفّكم يومًا إلى السماء، ترجون أن يكتبها الله لكم.

وما دام في العمر متّسعٌ لحلمٍ جديد، فلا تنسوا أن تعيشوا جمال الحلم الذي أصبح حقيقة.

للتواصل : [email protected]

غرفة الأخبار

مسؤول النشر والتدقيق 1

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى