كتاب الرأي

عمى الإدراك عن جوهر القيمة ….«الي مايعرف الصقر يشويه»

    ✍️أروىٰ بنت مسلط العتيبي – كاتبة سعودية :

لطالما كانت في الأمثال الشعبية التي تناقلها أجدادنا منذ عقود دروس تختصر تجارب السنين وتختزن من الحكمة ما يجعلها حاضرة في كل زمان وإن تغيرت الأحوال وتبدلت الوجوه فهي ليست مجرد عبارات عابرة قيلت في موقف ثم توارثتها الأجيال بل خلاصة تجارب إنسانية صاغتها الحياة على هيئة كلمات قليلة تحمل في معانيها الكثير من التأمل والعبرة

ومن بين تلك الأمثال قولهم «اللي ما يعرف الصقر يشويه» وهو مثل تتجاوز دلالته ظاهر الحكاية إلى معنى أعمق يتصل بمعرفة القيم وإدراك النفائس والفرق بين حقيقة الأشياء وما تراه فيها أعين من يجهلون قدرها

فالصقر عند من يعرفه ليس مجرد طائر
إنه قيمة ومكانة وتاريخ من الصقارة والعناية والتدريب
له من الخصائص ما يجعله نفيسا وله من الشموخ ما يجعل اقتناءه اعتزازا لا مجرد امتلاك
لكن حين يقع في يد من لا يعرفه تتبدل صورته
لا لأن الصقر فقد شيئا من صفاته
ولا لأن قيمته تغيرت
بل لأن العين التي تنظر إليه لا تملك المعرفة التي تمكنها من إدراك حقيقته

وهنا تكمن المفارقة
أن يكون الشيء عظيمًا في حقيقته عاديًا في عين من يجهله وأن تحمل الأشياء من القيمة ما لا تستطيع بعض العقول استيعابه فالأشياء لا تفقد نفاستها حين يعجز الآخرون عن تقديرها ولا تتغير حقيقتها حين تسقط من حسابات من لا يعرفونها
إنما تكشف المواقف أحيانا عن حدود معرفة الإنسان أكثر مما تكشف عن قيمة ما بين يديه

وفي الحياة نلتقي كثيرًا بهذه المفارقة
قد تقع بين يدي أحدهم فرصةً لا تتكرر فيتعامل معها كأنها أمر عابر وقد يرزق بإنسان يحمل من الصدق والوفاء والنبل ما لا يجده في كثير ممن حوله فلا يدرك مكانته إلا بعد رحيله
وقد يقدم إليه معروف لا يقدر بثمن فيستقبله باعتباره أمرًا معتادًا لا يستحق الامتنان

وكم من علاقةٍ لم تنته لقلة المودة بل لسوء تقديرها
وكم من إنسان لم يكن عابرا في حياة أحدهم لكنه عومل كما لو كان كذلك
وكم من عطاء استنفد في موضع لم يعرف كيف يصونه وكم من قيمة لم تكتشف إلا بعد أن غادرت المكان الذي لم يحسن أهله استقبالها

وقد تكون المأساة الحقيقية أن الإنسان لا يخسر الأشياء دائما لأنه لم يحصل عليها
بل قد يخسرها لأنه لم يعرف كيف يحافظ عليها حين امتلكها فالجهل بالقيمة لا يقف عند حدود عدم المعرفة بل قد يتجاوزها إلى سوء التصرف والإهمال والتفريط وحينها لا يكون الفقد نتيجة غياب الشيء وإنما نتيجة العجز عن إدراك ما يعنيه وجوده
ولعل أشد ما في سوء التقدير أن صاحبه لا يشعر دائما بأنه يفرطفهو يتعامل مع الأشياء بحسب تصوره عنها لا بحسب حقيقتها ويزنها بميزان خبرته المحدودة
ويظن أن ما لم يفهمه لا يستحق أن يتوقف عنده
وقد يستهين بما لا يعرفه لا لعيب فيه بل لأن معرفته لم تبلغ بعد ما يكفي لإدراك قيمته

وهنا ينبغي أن نفرق بين قيمة الشيء وقدرة الآخرين على رؤيتها فليس كل ما لم يلفت انتباههم قليل الشأن وليس كل ما لم يحظ بالتقدير فاقدًا للاستحقاق
وليس كل ما استهان به أحدهم قابلًا للاستهانة
فبعض النفائس لا ينقصها شيء سوى أن تقع في عين تعرف كيف تراها

ومع ذلك فليس من الحكمة أن نظل ننتظر من الجميع أن يعرفوا قيمتنا
فالناس متفاوتون في بصائرهم وتجاربهم ومعارفهم
وليس كل أحد مؤهلًا لقراءة ما وراء المظاهر
لكن من الحكمة أن نعرف نحن قيمة ما نحمل
وألا نضع نفائسنا في مواضع لا تحسن صونها
وألا نستمر في تقديم ما لا يقدر لمن اعتاد أن يراه أمرًا عاديًا فمعرفة المرء بقيمة نفسه وما يملك ليست غرورًا بل وعي يحميه من أن يستنزف ما لا يعوض في موضع لا يعرف قدره

ولعل أجمل ما نتعلمه من هذا المثل أن النفاسة لا تحتاج إلى شهادة من كل عابر
وأن القيمة لا تستمد حقيقتها من تصفيق الآخرين ولا تسقط باستهانتهم
فالصقر يظل صقرًا وإن رآه الجاهل طعامًا فحسب
والذهب يظل ذهبًا وإن حسبه من لا يعرفه حجرًا
والإنسان النبيل لا يفقد نبله إن لم يجد من يدركه

فالذي لا يعرف الصقر قد يشويه
لكن ذلك لا يغير من حقيقة الصقر شيئا
إنما يكشف لنا الفرق بين من تقع الأشياء في يده ومن يعرف قدرها وبين من يرى ظاهرها ومن يدرك جوهرها

فليست كل يد تمتد تعرف كيف تصون
وليست كل عين ترى تعرف كيف تبصر
وبعض الخسارات لا تحدث لأن النفيس كان قليلًا
بل لأن من امتلكه لم يعرف أنه كان أمام نفيس

للتواصل: [email protected]

غرفة الأخبار

مسؤول النشر والتدقيق 1

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى