كتاب الرأي

حين تتحول أسماء الله إلى شعارات… من يروّع عباد الله لا يمثل دين الله استغلال المقدسات الدينية غطاءً للعنف والإرهاب والفساد وإشعال الحروب

✍️ د عصام عبدالقادر الرحالي – أكاديمي وكاتب رأي سعودي  :

ليست العبرة بالأسماء التي ترفعها الجماعات، ولا بالشعارات الدينية التي تتخذها غطاءً لتحركاتها، وإنما العبرة بالأفعال والمواقف والنتائج. فالدين الإسلامي ليس لافتة سياسية، ولا وسيلة لتبرير القتل والترويع والنهب والتدمير، ولا مظلة تمنح أي جماعة حق الاعتداء على الأبرياء أو تهديد أمن الشعوب والدول.

ومن هنا يبرز سؤال جوهري: كيف لجماعات تتسمى بأسماء مثل «أنصار الله» و«حزب الله» و«جند الله» و«جنود الله» …. أن تجعل من اسم الله سبحانه وتعالى شعاراً لها، بينما ترتبط ممارسات بعض هذه التنظيمات بالعنف والاعتداء والترويع وإشعال الحروب؟

هل أصبحت الأسماء الدينية صكوكاً للشرعية؟

إن اسم الله سبحانه وتعالى أعظم من أن يُستغل لتحقيق أهداف سياسية أو عسكرية أو حزبية، وأسمى من أن يتحول إلى غطاء للصراعات والنفوذ وتصفية الحسابات.

فليس كل من رفع شعار الدين حاملاً لرسالته، وليس كل من ادّعى حماية الإسلام ممثلاً للمسلمين. إن حماية الدين تكون بالصدق والعدل والرحمة وصيانة الدماء والأعراض والأموال، لا بإشعال الفتن، ولا بترويع الآمنين، ولا بتدمير الممتلكات والمنشآت، ولا بتحويل حياة المدنيين إلى ساحات للخوف والمعاناة.

إن استغلال المقدسات الدينية لتجنيد الأتباع وتبرير العنف وصناعة الولاءات الحزبية والسياسية يمثل خطراً على الدين والمجتمعات معاً. ولا يجوز أن تتحول أسماء الله إلى علامات تجارية لتنظيمات مسلحة أو شعارات تمنح أصحابها حصانة أخلاقية أو دينية من المحاسبة.

من يحارب أمن المملكة… كيف يدّعي حماية الإسلام؟

تزداد المفارقة وضوحاً عندما نتحدث عن المملكة العربية السعودية، بلاد الحرمين الشريفين، وقبلة المسلمين، وموطن المسجد الحرام والمسجد النبوي الشريف.

كيف يمكن لجماعات ترفع شعارات نصرة الدين وحماية المسلمين أن تتسبب في تهديد أمن المملكة، وإشعال الحروب على أراضيها، واستهداف منشآتها ومطاراتها ومرافقها الحيوية، وتعريض حياة المواطنين والمقيمين والزوار للخطر؟

وكيف يمكن لمن يزعم نصرة الإسلام أن يهدد سلامة الحجاج والمعتمرين، ويزرع الخوف في نفوس من قدموا إلى بيت الله الحرام طلباً للعبادة والأمن والطمأنينة؟

إن استهداف المطارات والمنشآت المدنية والبنية التحتية، وتعريض المدنيين للخطر، لا يمثل نصرة للدين ولا حماية للمسلمين، بل يتعارض مع مقاصد الشريعة الإسلامية ومبادئ القانون الدولي الإنساني.

وقد أدان مجلس الأمن الدولي في بيانه الصادر في 18 سبتمبر 2026 الهجمات الحوثية على المملكة، بما فيها الهجمات التي طالت البنية التحتية المدنية وقطاع الطاقة وأصابت مدنيين، كما حذر من انعكاس التصعيد على أمن الملاحة والتجارة الدولية.

وهذا موقف دولي يؤكد أن الاعتداء على أمن الدول والمنشآت المدنية ليس مسألة سياسية داخلية فحسب، بل تهديد يتجاوز الحدود ويؤثر في أمن المنطقة والعالم.

كيف تأثرت المملكة ودول الخليج والدول العربية والإسلامية؟

إن أخطر ما تتركه التنظيمات المسلحة التي تتخذ من الشعارات الدينية غطاءً لمشروعاتها ليس الدمار المادي وحده، بل زعزعة الثقة والاستقرار وإضعاف مؤسسات الدول وإشغال الشعوب بالصراعات.

وقد امتدت آثار هذه الممارسات إلى عدة مجالات:

أمن المملكة العربية السعودية

مازالت تتعرض المملكة العربية السعودية لتهديدات وهجمات استهدفت منشآت مدنية واقتصادية وحيوية، بما في ذلك المطارات وقطاع الطاقة، الأمر الذي يستدعي رفع مستوى الجاهزية الأمنية والدفاعية، وحماية المواطنين والمقيمين والزوار، والمحافظة على استمرارية الخدمات والمرافق.

أمن دول الخليج العربي

إن تهديد المملكة لا يتوقف أثره عند حدودها الجغرافية؛ فالأمن الخليجي مترابط، وأي تصعيد عسكري أو تهديد للممرات البحرية والمنشآت الاقتصادية ينعكس على أمن دول مجلس التعاون واستقرارها، وعلى مصالح شعوبها ومقدراتها.

أمن الدول العربية والإسلامية

إن استمرار الحروب والصراعات المسلحة يضعف الدول، ويستنزف مواردها، ويؤخر التنمية، ويزيد معاناة المواطنين، ويفتح المجال أمام التدخلات الخارجية وتوسيع دوائر النفوذ والصراع.

كما أن تهديد الملاحة في البحر الأحمر ومضيق باب المندب لا يؤثر في دولة واحدة، بل يمتد إلى التجارة الدولية وسلاسل الإمداد وأسعار النقل والطاقة ومصالح الدول العربية والإسلامية وغيرها.

الإنسان هو الخاسر الأكبر
المدنيون هم الذين يدفعون الثمن: أطفال يفقدون الأمن، وأسر تفقد منازلها، ومرضى تتعطل خدماتهم، وعمال يفقدون مصادر رزقهم، وشعوب تتوقف مشاريع التنمية لديها بسبب الحروب.

فأي مشروع ديني أو سياسي يمكن أن يبرر كل هذه المعاناة؟

وهنا يجب أن نفرق بوضوح بين التنظيمات المسلحة وممارساتها وبين الشعوب التي قد تعيش تحت سلطتها أو تنتمي إلى دولها، وبين المذاهب الإسلامية وأتباعها. فلا يجوز تحميل شعب بأكمله مسؤولية جماعة مسلحة، ولا اتهام مذهب أو طائفة بسبب أفعال تنظيم سياسي أو عسكري. إن معركتنا مع الإرهاب والاعتداء والفساد، وليست مع الشعوب أو العقائد.

المملكة العربية السعودية… مسؤولية عظيمة في خدمة الحرمين الشريفين

إن للمملكة العربية السعودية مكانة لا تضاهيها مكانة في قلوب المسلمين؛ فهي قبلة المسلمين، وفيها بيت الله الحرام، وفيها المسجد النبوي الشريف، الذي يضم الحجرة النبوية الشريفة وفيها قبر رسول الله محمد صلى الله عليه وسلم وصاحبيه أبي بكر وعمر رضي الله عنهما.

وهذه المقدسات ليست مجرد مواقع دينية أو تاريخية، بل تمثل وجدان الأمة الإسلامية ووجهتها الروحية.

ومنذ تأسيس المملكة على يد الملك عبدالعزيز بن عبدالرحمن آل سعود، رحمه الله، وصولاً إلى عهد خادم الحرمين الشريفين الملك سلمان بن عبدالعزيز، وسمو ولي عهده الأمير محمد بن سلمان، ظلت خدمة الحرمين الشريفين ورعاية الحجاج والمعتمرين والزوار مسؤولية كبرى تحظى باهتمام الدولة وقيادتها.

وقد سخرت المملكة إمكاناتها البشرية والأمنية والصحية والهندسية والتقنية والمالية لتوسعة الحرمين الشريفين، وتطوير المشاعر المقدسة، وتنظيم الحج والعمرة، وتوفير الأمن والسلامة والراحة لضيوف الرحمن.

وهذا ليس ادعاءً إنشائياً، بل واقع تشهد عليه الأرقام والمشروعات والخدمات.

فكيف لمن يدّعي حماية الإسلام أن يستهدف الدولة التي تحمل على عاتقها مسؤولية خدمة أقدس مقدسات المسلمين؟

وكيف لمن يرفع شعار نصرة المسلمين أن يهدد أمن بلد يستقبل ملايين المسلمين كل عام، ويفتح لهم أبوابه لأداء مناسكهم وزيارة المسجد النبوي الشريف؟

إن حماية الحرمين الشريفين وأمن قاصديهما مسؤولية عظيمة، لا تقبل المساومة أو الاستغلال السياسي أو الحزبي.

المملكة العربية السعودية… دولة باقية رغم تغير الأحداث والتحديات

لقد شهد التاريخ دولاً وقوى وقيادات وتنظيمات دخلت في صراعات مع المملكة العربية السعودية، وراهن بعضها على إضعافها أو زعزعة استقرارها أو التأثير في قرارها الوطني.

لكن التاريخ لا يقاس بالضجيج الإعلامي ولا بالشعارات المؤقتة، وإنما بما تبنيه الدول من مؤسسات، وما تحققه لشعوبها، وما تتركه من أثر في حياة الأمم.

لقد بقيت المملكة العربية السعودية، وتواصل مسيرتها في البناء والتنمية وخدمة الحرمين الشريفين، رغم ما واجهته من تحديات ومواقف وصراعات إقليمية ودولية.

فالدول لا تُقاس ببقاء خصومها أو زوالهم، وإنما بقوة مؤسساتها وتماسك شعبها واستمرار رسالتها وقدرتها على حماية أمنها ومصالحها.

وستظل المملكة، بإذن الله، دولة الخير والإنسانية والعروبة والإسلام، وركناً أساسياً في أمن المنطقة واستقرارها، وبلداً يحتضن المسلمين من شتى بقاع الأرض.

راية التوحيد… رمز العقيدة والوطن

إن راية المملكة العربية السعودية ليست راية سياسية عابرة، بل تحمل شهادة التوحيد:

«لا إله إلا الله محمد رسول الله»

وهي راية ترتبط بعقيدة هذه البلاد وهويتها وتاريخها، وتخفق فوق أرض المملكة التي تحتضن قبلة المسلمين والحرمين الشريفين.

وستظل هذه الراية، بإذن الله، عالية خفاقة، يحملها أبناء الوطن جيلاً بعد جيل، ويصونون أمن بلادهم ووحدتها ومقدراتها، ويواصلون مسيرة البناء والتنمية والعطاء.

ولا ينبغي أن تتحول هذه المحبة الوطنية إلى عداء للشعوب أو إساءة للآخرين؛ فالثبات الحقيقي يكون بالقوة والعدل والحكمة، وبناء المستقبل وحماية الإنسان.

رسالة أخيرة إلى من يتاجرون باسم الله

إلى كل حزب أو جماعة أو تنظيم يتخذ من اسم الله شعاراً، ويدّعي أنه أنصار الله أو جند الله أو جنود الله:

من أعطاكم الحق في ترويع عباد الله؟ ومن منحكم تفويضاً بقتل الأبرياء وتدمير ممتلكات الشعوب وإشعال الحروب؟

هل أصبحت نصرة الله بإطلاق الصواريخ والطائرات المسيّرة على المنشآت المدنية؟ وهل أصبحت حماية الإسلام بتهديد المطارات والموانئ والمرافق الحيوية؟ وهل أصبح الدفاع عن المسلمين بتعريض حياتهم وأمنهم ومستقبل أبنائهم للخطر؟

إن الله سبحانه وتعالى لا يحتاج إلى جماعات تتخذ اسمه غطاءً للفساد والاعتداء، ولا إلى أحزاب تحتكر الدين وتستخدمه لتحقيق أهدافها ومصالحها.

فمن أراد نصرة الإسلام فليحفظ دماء المسلمين، ومن أراد حماية الدين فليصن أعراض الناس وأموالهم، ومن أراد الخير للأمة فليعمل على بناء الدول لا هدمها، وعلى جمع الشعوب لا تفريقها.

إن من يروّع عباد الله لا يحق له أن يجعل اسم الله حصانة لأفعاله، ومن يعتدي على الأبرياء لا تمنحه الشعارات الدينية براءة من المسؤولية والمحاسبة.

وستظل المملكة العربية السعودية، قيادةً وشعباً، ماضية في خدمة الحرمين الشريفين، وحماية أمنها الوطني، ورعاية ضيوف الرحمن، ومد يد الخير والإنسانية والتعاون لكل من يسعى إلى السلام والاستقرار.

فالمقدسات لا تُحمى بالشعارات، والدين لا يُنصر بالإرهاب، والأوطان لا تُبنى بالدمار، وعباد الله ليسوا وقوداً لمشروعات الأحزاب والتنظيمات المسلحة.

حفظ الله المملكة العربية السعودية، وحفظ قيادتها وشعبها، وأدام عليها نعمة الأمن والأمان والاستقرار، وحمى الحرمين الشريفين من كل سوء، ورد كيد المعتدين، وأصلح أحوال الأمة الإسلامية وجمع كلمتها على الحق والخير والسلام.

دامت المملكة العربية السعودية عزيزة آمنة مستقرة، ودامت راية التوحيد خفاقة عالية.

والله من وراء القصد.

للتواصل : [email protected]

غرفة الأخبار

مسؤول النشر والتدقيق 1

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى