كتاب الرأي

لعبة الزاوية وموت الحقيقة

  ✍️محمد بن سعد الشهري- كاتب سعودي :

أخطر ما في الحرب الإعلامية الحديثة أنها لم تعد تحتاج بالضرورة إلى الكذب، فالكذبة الصريحة تفضحها صورة أو وثيقة أو تصريح، أما التضليل الأكثر ذكاء فيبدأ من حقيقة، ولكن ليست كل الحقيقة، فيعطيك رقماً صحيحاً، وصورة حقيقية، ومقطعاً لم يُفبرك، ثم يرتبها بعناية وتُحدد لك زاوية النظر، حتى تصل بنفسك إلى النتيجة المرسومة سلفاً، وتظن أنها فكرتك أنت، بينما لم يُترك أمامك إلا الطريق المؤدي إليها.

ومن هنا تبدأ صناعة الرواية بأدوات أكثر هدوءاً من الكذب المباشر، فعنوان مثير قد يضعك في حالة غضب قبل أن تقرأ الخبر، ومقطع مدته عشر ثوانٍ أُنتزع بعناية من عشر دقائق قد يكون صحيحاً لكنه يخفي ما حدث قبله وبعده، وصورة حقيقية قد تكون من حدث آخر، ورقم محدود قد يبدو ضخماً بمجرد تغيير طريقة عرضه أو مقارنته، حتى الترجمة قد تغيّر دلالة تصريح كامل أو نبرته، هنا ندرك أن ما حُجب عنا قد يكون أكثر أهمية مما عُرض علينا، ونصف الحقيقة أخطر من الكذبة الكاملة، لأن الكذبة تسقط عندما تنكشف، بينما يظل نصف الحقيقة محصناً بجزئه الصحيح.

ثم تأتي الحسابات والمنصات الرقمية لتضيف طبقة أخرى من الوهم، فترى خبراً في عشرات الحسابات فتعتقد أن مصادر كثيرة أكدته، بينما قد تكون جميعها تردد خبراً خرج من مصدر واحد لم يتحقق منه أحد، فكثرة الناقلين لا تعني كثرة المصادر، والخبر لا تزداد مصداقيته بحجم الضجيج حوله، وهنا تظهر خطورة بعض القنوات والحسابات الفردية التي لا تخضع لمعايير تحريرية واضحة، قنوات تبني رصيداً من الثقة عبر نقل الصدق طويلاً، ثم تنفقه دفعة واحدة في كذبة مصيرية، فالثقة الإعلامية يمكن بناؤها بالتقسيط، ثم إنفاقها دفعة واحدة.

لكن أخطر ما في الحرب الإعلامية أنها لا تحتاج دائماً أن تقنعك، أحياناً يكفيها أن تحركك، فخبر يثير خوفك، وآخر يستفز غضبك، ومقطع يدفعك إلى السخرية أو الشماتة، ثم تتولى أنت البقية، تعلّق، تهاجم، وتعيد الإرسال، وهكذا يتحول المواطن من حيث لا يشعر، من متلق للرسالة إلى جزء من شبكة توزيعها، بل قد تخدم رواية وأنت تحاول محاربتها، وقد تنشر مقطعاً لتفنيده فتمنحه آلاف المشاهدات التي لم يكن ليحصل عليها لولا ردك، أو ترد على شائعة صغيرة فتعطيها حجماً لم تكن تملكه، والأغرب أن بعض الحملات لا تريد منك أن تصدق روايتها أصلاً، يكفيها أن تغرقك بروايات متناقضة حتى تفقد الثقة في الجميع، عندها لا يكون انتصارها في أن تصدقهم بل أن تصبح لم تعد تصدق أحداً.

لهذا يحتاج المواطن أن يضع مسافة قصيرة بين الخبر ورد فعله، قبل أن تصدق أو تغضب أو تعيد الإرسال، اسأل أولاً: من يريدني أن أراه بهذه الصورة؟ أين مصدره الأصلي؟ ماذا حُذف منه؟ لماذا ظهر الآن؟ ومن المستفيد من رد فعلي عليه؟ ماذا ينقص هذه القصة؟ ومن المستفيد من أن أصدقها أو أنشرها؟ ثم لا تحصر الأخبار بين خانتي الحقيقة والكذب، فهناك مؤكد، ومرجح، وغير متحقق منه، وهناك ما هو صحيح في تفاصيله لكنه مضلل في سياقه.

هذه المسافة القصيرة هي المناعة الإعلامية الحقيقية، ألا تصدق بسرعة، وألا تنشر بسرعة، فأخطر جبهة في الحرب الإعلامية اليوم ليست شاشة تلفاز ولا حساباً مجهولاً، بل تلك اللحظة القصيرة بين ما تراه وما تقرر أن تفعله به، فمن يملك تلك اللحظة، يملك قرارك، فكن أنت من يملك هذا القرار.

أخطر الحروب الإعلامية ليست التي تكذب عليك، بل التي تجعلك ترى الحقيقة بعينيها وتظن أنك تراها بعينيك.

للتواصل : [email protected]

غرفة الأخبار

مسؤول النشر والتدقيق 1

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى