كتاب الرأي

مجلس الأحبة.. حين تبحر بنا الذاكرة في مسيرة التعليم أمسية ثرية مع الأستاذ جابر الشاعري والأستاذ إبراهيم الفلقي.. تجارب الأمس وعطاء اليوم

      ✍️ إبراهيم الروسي – كاتب سعودي :

في بعض الأمسيات، لا يكون اللقاء مجرد اجتماع عابر بين الأصدقاء والزملاء، بل يتحول إلى رحلة في الذاكرة، ومحطة لاستحضار التجارب، وفرصة للإصغاء إلى حكايات تختصر سنوات من العمل والعطاء.

هكذا كانت جلستنا مساء البارحة، حين جمعتني جلسة أخوية جميلة بالأستاذ جابر الشاعري، مدير مكتب تعليم مركز قنا سابقًا، والأستاذ إبراهيم الفلقي وكيل مدرسة ام القرى والإمام مالك لتحفيظ القرآن الكريم بمركزقنا ، في لقاء اتسم بالألفة والمودة، وكان عنوانه الأبرز استعادة الذكريات، واستعراض التجارب السابقة، والحديث عن محطات من مسيرة العمل التعليمي.

كانت أمسية جميلة بكل تفاصيلها، غنية بأحاديثها، عذبة في ذكرياتها، حملتنا إلى سنوات مضت، لكنها لا تزال حاضرة بما تركته من مواقف وتجارب ودروس تستحق أن تُروى وتُوثق.

الأستاذ جابر الشاعري.. رحلة مهنية من التعليم إلى الإشراف والقيادة

كان للأستاذ جابر الشاعري حضور لافت في حديث الأمسية، إذ أبحر بنا في محطات من مسيرته المهنية في ميدان التعليم، مستعرضًا رحلة بدأت من الفصل الدراسي معلمًا، ثم انتقلت به إلى ميدان الإشراف التربوي، وصولًا إلى توليه إدارة مكتب تعليم مركز قنا.

إنها رحلة مهنية تجمع بين أكثر من جانب من جوانب العمل التعليمي؛ فمن الفصل الدراسي، حيث يلتقي المعلم بطلابه، ويشارك في بناء معارفهم وتنمية قدراتهم، إلى الإشراف التربوي، حيث تتسع دائرة المسؤولية لتشمل متابعة الأداء التعليمي، ودعم المعلمين، والإسهام في تطوير الممارسات التربوية، ثم إلى الإدارة التعليمية، حيث تتسع المسؤوليات وتتعدد المهام وتتطلب طبيعة العمل رؤية أشمل وتنظيمًا وتنسيقًا بين مختلف الأطراف.

وقد منحنا حديثه فرصة للتأمل في طبيعة هذه المراحل وما تحمله من اختلاف في المسؤوليات وتنوع في الخبرات. فلكل مرحلة متطلباتها، ولكل موقع تحدياته، ولكل تجربة ما تضيفه إلى رصيد الإنسان المهني والإنساني.

ولعل ما يجعل مثل هذه المسيرة جديرة بالاهتمام أنها لا تُقرأ من خلال المناصب التي تولاها صاحبها فحسب، بل من خلال التجارب التي عاشها، والمعارف التي اكتسبها، وما يمكن أن تقدمه هذه الخبرة المتراكمة من دروس للمهتمين بميدان التعليم.

فالمعلم الذي عاش تفاصيل الفصل الدراسي يمتلك خبرة مباشرة في واقع التعليم واحتياجات الطلاب، والمشرف التربوي يقترب من جوانب متعددة من العملية التعليمية، أما مدير المكتب فيتعامل مع نطاق أوسع من المسؤوليات الإدارية والتنظيمية والتربوية.

وهكذا تتشكل الخبرة عبر الممارسة وتنوع المسؤوليات، وتصبح كل مرحلة امتدادًا لما سبقها، ومصدرًا للمعرفة التي تعين على فهم العمل بصورة أعمق.

ذاكرة التعليم.. مواقف تستحق أن تُروى

لم يكن حديث الأمسية مجرد استعراض للماضي، بل كان استحضارًا لتجارب العمل وما يرتبط بها من مواقف وأحداث وذكريات.

وقد أتاح لنا هذا الحوار أن نتوقف عند قيمة التجربة العملية، وأهمية الاستفادة من ذاكرة العاملين في الميدان التعليمي؛ فهناك جوانب كثيرة من تاريخ المؤسسات التعليمية لا تكشف عنها الوثائق وحدها، بل تبرز أيضًا من خلال روايات من عاشوا تلك المراحل، وعرفوا تفاصيلها، وشاركوا في أحداثها.

إن لكل مرحلة تعليمية ظروفها ومتطلباتها، ولكل جيل من العاملين تحدياته وتجربته الخاصة. ومن هنا تبرز أهمية توثيق هذه التجارب، لا من باب الحنين إلى الماضي فحسب، بل للاستفادة منها في فهم الحاضر، واستلهام الدروس التي يمكن أن تسهم في تطوير المستقبل.

وقد كان من الجميل أن نستمع إلى حديث يستعيد محطات من العمل السابق، في أجواء أخوية بعيدة عن التكلف، تتداخل فيها الخبرة مع الذكرى، وتمنح فيها التفاصيل الصغيرة معنى أكبر حين تُروى بعد مرور السنوات.

الأستاذ إبراهيم الفلقي.. رفيق المجلس وشريك الحوار

وكان للأستاذ إبراهيم الفلقي حضوره في هذه الأمسية التي اتسمت بتبادل الحديث واستعادة التجارب، في مجلس جمع بين متعة الصحبة وثراء الحوار.

ومثل هذه اللقاءات تمنح الحاضرين فرصة لتبادل الرؤى والاستماع إلى وجهات النظر المختلفة، وتؤكد أن قيمة المجلس لا ترتبط بموضوع واحد، بل بما يتيحه من مساحة للحوار والتواصل واستحضار الخبرات.

لقد كانت جلسة تتجاذب فيها أطراف الحديث بسلاسة، وتتنقل فيها الذاكرة بين محطات العمل والتجارب السابقة، في صورة تعكس جمال العلاقات التي تستمر مع الزمن، وتتجدد من خلال اللقاءات الصادقة.

رسالة التعليم.. عطاء يتجدد وخبرة تستمر

ومن المعاني المهمة التي يستحضرها مثل هذا اللقاء أن الحديث عن التجارب السابقة لا يعني أن العطاء أصبح مجرد ذكرى؛ فالأستاذ جابر الشاعري والأستاذ إبراهيم الفلقي لا يزالان يواصلان رسالتهما في ميدان التعليم.

وهنا تتجلى قيمة الخبرة المتراكمة؛ إذ لا تبقى حبيسة الماضي، بل تظل رصيدًا يمكن توظيفه في الحاضر، والاستفادة منه في مواصلة العمل وتحقيق الأهداف التربوية.

فالتعليم رسالة عظيمة، تتجاوز حدود الوظيفة والمسمى، وترتبط ببناء الإنسان، وتنمية قدراته، وإعداد الأجيال للمستقبل. وكل تجربة مخلصة في هذا الميدان تضيف إلى هذه الرسالة بعدًا جديدًا من المعرفة والخبرة.

وإذا كانت السنوات الماضية قد حملت في طياتها مواقف وتجارب تستحق التذكر، فإن الحاضر يظل مساحة لمواصلة العطاء، وتبادل الخبرات، والإسهام في خدمة التعليم ومنسوبيه.

مجالس الوفاء.. قيمة إنسانية تتجاوز الزمن

وبعيدًا عن تفاصيل العمل ومساراته، تبقى لهذه الأمسية قيمتها الإنسانية الخاصة؛ فقد جمعتنا على المودة، ومنحتنا فرصة للاستماع والتأمل، وأكدت أن العلاقات الطيبة تظل حاضرة مهما تعاقبت السنوات وتغيرت الظروف.

إن أجمل ما في هذه المجالس أنها تعيد للذكريات روحها، وتمنح أصحاب التجارب فرصة لاستحضار محطات من حياتهم المهنية، كما تتيح للمستمع أن يتعرف على جوانب من المسيرة قد لا تتاح له معرفتها في اللقاءات العابرة.

وقد خرجت من هذه الأمسية بانطباع جميل عن قيمة الحوار مع أصحاب التجارب، وأهمية الإصغاء إلى حكاياتهم؛ فكل مسيرة تحمل ما يستحق التوقف عنده، وكل تجربة يمكن أن تفتح نافذة جديدة للفهم والمعرفة.

كلمة وفاء وتقدير

كل الشكر والتقدير للأستاذ جابر الشاعري، مدير مكتب تعليم مركز قنا سابقًا، وللأستاذ إبراهيم الفلقي، على هذه الأمسية الأخوية الجميلة التي جمعتنا على طيب الحديث وثراء التجربة وعبق الذكريات.

والشكر موصول للأستاذ جابر على ما استحضره من محطات مسيرته المهنية، من بداياته معلمًا، مرورًا بعمله مشرفًا تربويًا، وصولًا إلى إدارته مكتب تعليم مركز قنا؛ وهي محطات تتيح للمهتمين فرصة التأمل في تنوع الخبرات وتكامل الأدوار في ميدان التعليم.

أسأل الله أن يبارك في جهودهما، وأن يوفقهما في مواصلة رسالتهما، ويمتعهما بالصحة والعافية، وأن يجعل ما يقدمانه من عطاء في ميزان حسناتهما.

كما أسأله سبحانه أن يديم بيننا المحبة والوفاء، وأن يبارك في هذه اللقاءات التي تجمع القلوب قبل الأشخاص، وتمنح الذكريات فرصة جديدة للحياة.

ختامًا

من الفصل الدراسي تبدأ حكايات كثيرة، وفي ميدان الإشراف تتسع الخبرة، وفي الإدارة تتعدد المسؤوليات، لكن تبقى رسالة التعليم هي القاسم المشترك بين جميع المراحل.

وما أجمل أن يجلس المرء إلى أصحاب التجارب، فيستمع إلى حكاياتهم، ويتأمل محطات مسيرتهم، ويكتشف أن وراء كل مرحلة سنوات من العمل والمواقف والدروس.

لقد كانت أمسية من الأمسيات التي تستحق التوثيق؛ لأنها جمعت بين دفء اللقاء وثراء الحوار، وبين استعادة الماضي واستمرار العطاء.

فالماضي ذاكرة نعتز بها، والخبرة رصيد نستفيد منه، والحاضر فرصة لمواصلة العطاء، أما الأثر الطيب فيبقى شاهدًا على قيمة الإنسان ورسالته.

للتواصل:[email protected]

إبراهيم أحمد الروسي

مدير مكتب الصحيفة بمنطقة عسير

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى