المواطن السعودي:«جبهة وعي لا تنام وصوت وطن لا يخترق»

✍️أروىٰ بنت مسلط العتيبي – كاتبة سعودية :
كنت قد كتبت في اليوم الوطني مقالًا بعنوان «عزنا بوطنيتنا» تحدثت فيه عن أثر الوطنية في المواطن وكيف يتجاوز الانتماء حدود الشعارات ليصبح وعيًا ومسؤوليةً وسلوكًا يظهر عند المواقف
واليوم وفي ظل الأحداث الجارية يثبت الشعب السعودي أن وطنيته ليست موضع اختبار بل درس يقدمه للعالم في معنى الانتماء الحقيقي حين تتقدم المواقف على الكلمات ويتحول حب الوطن من شعور يسكن القلوب إلى فعل يحمي الأرض ويصون الوعي ويعزز التلاحم
فالمواطن السعودي لا يحتاج إلى مناسبة كي يثبت انتماءه ولا إلى اختبار كي يكشف عن ولائه فالمواقف وحدها تتولى الحديث عنه وفي كل منعطف تتجلى صورة من صور وطنيته التي لا تقف عند حدود الشعور بل تمتد إلى الوعي والعطاء والمسؤولية
منذ سنوات ونحن نرى محاولات التأثير على المجتمع عبر الحملات الإلكترونية والحسابات الوهمية والشائعات والروايات المضللة محاولات تراهن على إثارة الانقسام وزعزعة الثقة والتأثير في وعي الناس
لكن ما تكشفه المواقف هو أن المجتمع السعودي يمتلك من الوعي والتماسك ما يجعل هذه المحاولات تصطدم بحقيقة راسخة
المواطن السعودي جبهة وعي لا تنام وصوت وطن لا يخترق
فلقد رأينا مواطنين يتثبتون من الأخبار قبل تداولها ويكشفون التضليل ويرصدون الحسابات المشبوهة ويصححون المعلومات ويدافعون عن وطنهم بالحجة والكلمة والموقف
ولم يكن الحضور الوطني حكرًا على جهة أو مؤسسة بل ظهر في تفاعل الناس على اختلاف أعمارهم وخلفياتهم حتى غدا كل مواطن واعٍ شريكًا في حماية الفضاء الإعلامي لوطنه
وهنا تتجلى إحدى أهم صور الوطنية في هذا العصر
فكما تحمي القوات المسلحة حدود الوطن يسهم المواطن الواعي في حماية مجتمعه من التضليل لا بالصوت الأعلى ولا بالاندفاع وراء كل ما ينشر بل بالتحقق والمسؤولية وإدراك أن الكلمة أمانة وأن إعادة نشر الشائعة قد تمنحها انتشارًا لم تكن لتحصل عليه لولا تداولها
إن الدفاع عن الوطن لم يعد محصورًا في ميدان واحد فلكل زمن ميادينه ولكل مرحلة مسؤولياتها وفي زمن تتسارع فيه المعلومات وتتداخل فيه الحقيقة بالشائعة يصبح الوعي أحد خطوط الدفاع عن الوطن ويغدو المواطن الواعي شريكًا في صون استقراره وحماية صورته
فالوطنية ليست أن تقول إنك تحب وطنك فحسب بل أن تعرف كيف تحميه حين يكون الوعي سلاحًا وكيف تخدمه حين يكون العطاء واجبًا وكيف تثبت على مسؤوليتك حين تتزاحم الأصوات وتختلط الروايات
الوطنية وعي قبل أن تكون شعارًا وموقف قبل أن تكون ادعاءً وعهد يتجدد كلما نادى الوطن أبناءه
ولم تقف الصورة عند حدود الوعي الإعلامي بل امتدت إلى ميادين العطاء الإنساني
ففي مشاهد الإقبال على التبرع بالدم رأينا وجهًا آخر من وجوه الانتماء مواطنين يتسابقون إلى البذل حين ينادي الواجب ويقدمون من وقتهم وجهدهم ما يستطيعون تقديمه لخدمة الآخرين
إن مشهد التبرع بالدم ليس مجرد استجابة لحاجة صحية بل رسالة تختصر معدن المجتمع السعودي مجتمع اعتاد أن يجعل للفزعة حضورًا وللخير طريقًا وللمواقف رجالًا ونساءً لا ينتظرون أن يطلب منهم العطاء مرتين
إنها صورة ناصعة من صور التكافل الذي نعتز به ومن نعمة الاستعداد والتنظيم التي تستحق الحمد
فما أعظم أن يكون في الوطن من يتسابقون إلى الخير وما أجمل أن تتحول الفزعة إلى سلوك متجذر في المجتمع وما أعمق أن يدرك الإنسان أن خدمة وطنه تبدأ من خدمة أهله وأن العطاء حين يصدر عن شعور بالمسؤولية يتجاوز أثره حدود المبادرة ليصبح قيمةً تعزز تماسك المجتمع
السعودي دائمًا وأبدًا يلبي النداء حين يكون المنادي الوطن
قد يلبي نداءه في ميدان العمل أو في خدمة المحتاج أو بالتبرع بالدم أو بكلمة حق تكشف تضليلًا أو بموقف واعٍ يرد الشائعة إلى مصدرها
تختلف الوسائل لكن المعنى واحد فهذا وطن لا يقف أبناؤه موقف المتفرج حين تستدعي المرحلة مسؤوليتهم
ومن هنا نفهم أن الوطنية ليست ادعاءً يرفعه الإنسان في المناسبات بل عهد يظهر عند الحاجة ووعي يتجلى حين تختلط الأخبار وعطاء يتقدم حين يحتاج المجتمع إلى أبنائه
إنها شعور يتجاوز الفرد إلى الجماعة فيصنع من اختلاف القدرات تكاملًا ومن تنوع الأدوار قوة ومن المحبة مسؤولية مشتركة
وهنا يتجلى الدرس الذي يقدمه السعوديون للعالم
أن الوطنية ليست بكثرة ما يقال عنها بل بما يترجمها إلى واقع وأن قوة الانتماء لا تظهر في الكلمات وحدها بل في قدرة المجتمع على التكاتف حين تشتد التحديات وفي وعي أفراده حين تتزاحم الروايات وفي استعدادهم للعطاء حين تستدعي الحاجة حضورهم
فالأوطان لا يحميها أبناؤها بأدوار متطابقة بل بأدوار تتكامل وغايات تتوحد ومسؤولية يدرك كل فرد نصيبه منها
والمواطن السعودي في هذه المشاهد لا يكتفي بأن يكون شاهدًا على ما يجري بل يصبح جزءًا من الاستجابة له يشارك بوعيه ويخدم بعطائه
ونحن إذ نفخر بهذه المواقف فإن فخرنا لا ينفصل عن شكر الله على ما ننعم به من أمن وأمان وعلى قيادة نعتز بها ومؤسسات تعمل لحماية الوطن وخدمة أهله وشعب تتجدد في مواقفه صور الوفاء والتكاتف
فالأمن نعمة والوحدة قوة والوعي مسؤولية والمحافظة على هذه المكتسبات واجب لا ينتهي بانتهاء الأزمة
لقد كتبت يومًا عن عزنا بوطنيتنا واليوم أرى هذه العبارة تتجسد أمامنا في مواقف لا تحتاج إلى كثير شرح
وطنية تحمي الوعي وأيدٍ تمتد بالعطاء وقلوب تجتمع على المحبة والوفاء
وهنا أدرك أن الوطنية التي تحدثت عنها لم تكن فكرة تكتب فحسب بل حقيقة تتجدد في كل موقف وتكبر بما يقدمه أبناء الوطن من وعي وعطاء ووفاء
الحمد لله على نعمة السعودية والحمد لله على نعمة الأمن والأمان والحمد لله على قيادة ووطن نفخر بالانتماء إليهما والحمد لله أن جعلنا من أبناء هذه الأرض المباركة
فالسعودية ليست وطنًا نحبه فحسب بل أمانة نحملها ووعي نصونه وخير نتسابق إليه وعهد يتجدد في كل موقف
عزنا بوطنيتنا وقوتنا بوحدتنا وأماننا بوعي أبنائنا ومجدنا بعطاء شعب لا يتأخر حين يناديه الوطن
فالمواطن السعودي جبهة وعي لا تنام وصوت وطن لا يخترق
لا لأنه لا يواجه التحديات بل لأنه يواجهها بوعي وانتماء ولا لأنه لا يسمع الشائعات بل لأنه يدرك أن التثبت مسؤولية ولا لأنه يكتفي بالفخر بوطنه بل لأنه يجعل من هذا الفخر عملًا وعطاءً ووفاءً
فالسعودي لا ينتظر اختبارًا ليثبت وطنيته ولا يحتاج إلى مناسبة ليعلن ولاءه فمواقفه تسبق أقواله ووعيه يحرس وطنه وعطاؤه يترجم انتماءه
هنا وطن لا ينكسر وعي أبنائه ولا يخفت صوتهم ولا يتراجع ولاؤهم
وهذا هو عزنا الذي لا تصنعه الكلمات وحدها بل تثبته المواقف وهذه هي وطنيتنا التي لا تحتاج إلى اختبار كي تثبت حضورها فهي حاضرة في الوعي والعطاء والوفاء وتبقى بإذن الله ما بقي في هذه الأرض قلب ينبض بحبها ويد تعمل لرفعتها.
للتواصل: [email protected]



