الأخوّة الحقيقية.. محبةٌ تسع القلوب وتسامحٌ يحفظ الود

✍️أ- محمد بن علي كريري – كاتب رأي :
ليست الأخوّة مجرد صلة دم تجمع الإخوة ولا كلماتٍ جميلة نتبادلها في المناسبات بل هي مواقف صادقة وقلوب متحابة وأيادٍ تمتد بالعون حين تضيق الحياة ونفوسٌ تتسع للتسامح حين تعترض طريق المحبة بعض الهفوات.
فالأخ هو السند بعد الله وهو الظهر الذي نتكئ عليه حين تثقل الأعباء والقلب الذي نتمنى أن نجده قريبًا منا في أوقات الشدة قبل أوقات الفرح. والأخوّة الحقيقية لا تُقاس بكثرة اللقاءات ولا بعدد الكلمات، وإنما بما تحمله القلوب من صدق وما تقدمه النفوس من وفاء وما تبذله الأيدي من تعاون وتكاتف.
إن أجمل ما في الأخوّة أن يجد الإنسان أخاه عونًا لا عبئًا وملاذًا لا خصمآ وكتفًا يستند إليه لا جدارًا يصطدم به. فالحياة لا تخلو من المصاعب والظروف تتبدل والآراء تختلف وقد تصدر من الأخ كلمة عابرة أو موقف غير مقصود لكن المحبة الصادقة هي التي تمنحنا الحكمة في التعامل مع هذه المواقف فلا نُضخّم الهفوات ولا نسمح للعتاب أن يتحول إلى خصام ولا نجعل لحظة غضب تهدم سنوات من العِشرة الجميلة.
ومن أعظم ما يحفظ روابط الأخوّة التغاضي عن الزلات وحسن الظن والتماس الأعذار فليس من الحكمة أن نحاسب من نحب على كل كلمة أو نتوقف عند كل تصرف أو ننسى مواقف الوفاء بسبب هفوة عابرة. فالكمال لله وحده وكل إنسان معرض للخطأ ومن ينتظر أخًا لا يخطئ لن يجد أخًا ومن يفتش عن العيوب فيمن حوله سيغفل عن كثير من محاسنهم.
والتغاضي عن الهفوات ليس ضعفًا ولا تنازلًا عن الكرامة بل هو سموّ في الأخلاق ونضج في التفكير وإدراك لقيمة العلاقة التي تستحق أن نحافظ عليها. فهناك مواقف يكون فيها الصمت حكمة والعفو قوة والكلمة الطيبة جسرًا يعيد القلوب إلى صفائها. وليس معنى ذلك أن نتجاهل الأخطاء المؤذية أو نقبل الإساءة المستمرة، وإنما أن نُحسن التفريق بين زلة عابرة تستحق التجاوز، وخطأ يحتاج إلى نصيحة هادئة ومصارحة صادقة تحفظ كرامة الجميع.
أما التعاون بين الإخوة فهو الصورة الأجمل للمحبة حين تتحول من مشاعر إلى أفعال أن يقف الأخ بجانب أخيه عند الحاجة وأن يفرح لنجاحه دون حسد وأن يواسيه عند تعثره دون شماتة وأن يحفظ غيبته، ويصون سره ويكون له عونًا في الشدائد. فالأخوة التي لا يظهر أثرها في المواقف تبقى كلمات، أما الأخوة التي تُترجم إلى بذل وعطاء وإيثار فهي التي تصنع أسرة متماسكة وقلوبًا مطمئنة.
وما أحوجنا اليوم إلى أن نعيد للأخوّة مكانتها وأن نبتعد عن تضخيم الخلافات الصغيرة، ونكف عن تفسير كل كلمة على أسوأ محمل، وأن نتذكر أن العلاقات الثمينة لا تُحفظ بالعناد ولا تستمر بكثرة اللوم وإنما تنمو بالرحمة والتفاهم والتسامح المتبادل.
فلنمنح بعضنا مساحة للخطأ وفرصة للاعتذار ومجالًا لتصحيح المواقف. ولنجعل المحبة أكبر من الزلات والعِشرة أعمق من الخلافات وصلة الرحم أقوى من لحظات الغضب. فليس من الوفاء أن نتذكر إساءة واحدة وننسى عشرات المواقف الجميلة، وليس من الحكمة أن نخسر أخًا من أجل أمر كان يمكن أن تنهيه كلمة طيبة أو مبادرة صادقة.
خاتمة القول:
الأخوّة نعمة عظيمة والمحافظة عليها مسؤولية أخلاقية وإنسانية. فطوبى لمن كان لأخيه سندًا في الشدة وشريكًا في الفرح وستراً عند الزلة وعونًا عند الحاجة وطوبى لمن امتلك قلبًا يسامح ونفسًا تتجاوز ولسانًا يصلح ولا يفسد.
فلنجعل شعارنا في علاقاتنا الأخوية نتعاون بمحبة، ونتناصح بحكمة، ونتسامح بصدق ونتجاوز عن الهفوات ما استطعنا فالأيام تمضي والمواقف تتغير، ولا يبقى في الذاكرة إلا أثر القلوب الطيبة والمواقف النبيلة.
فالأخ الذي نحفظ له الود اليوم، قد نحتاج إلى قلبه ووقفته غدًا فلا تهدموا بالمكابرة ما بنته سنوات المحبة ولا تجعلوا هفوة عابرة تنتصر على رابطة تستحق أن تبقى.
للتواصل : [email protected]



