كتاب الرأي

بر الوالدين .. وفاء لا ينقطع

      ✍️ بدرية المعجل – كاتبة سعودية :

للأب والأم في القلب منزلة لا يشاركهما فيها أحد؛ فهما بداية الحكاية، ودفء البدايات، والسند الذي حمل ضعفنا حتى اشتدت خطواتنا. وبين دعاء أمٍّ وسعي أبٍ كبرنا، وتعلمنا، ومضينا نحو أحلامنا، وبقي لهما في أعناقنا حق عظيم، مهما قدمنا فلن نحيط بفضلهما.

وقد عظّم الله سبحانه وتعالى حق الوالدين، وقرن الإحسان إليهما بعبادته، فقال تعالى: ﴿وَقَضَىٰ رَبُّكَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا﴾ [الإسراء: ٢٣]. وفي هذا التوجيه الكريم ما يوقظ القلوب إلى مكانتهما، ويجعل برّهما عبادة نؤديها بمحبة واحتساب، ووفاءً نستحضره في أقوالنا وأفعالنا.

ويتجلى البرّ في تفاصيل قد تبدو صغيرة، لكنها عظيمة في نفسيهما؛ في اتصال يطمئنان به، وزيارة تؤنس وحدتهما، وكلمة رقيقة تشرح صدريهما، وإصغاء يمنحهما الشعور بأن حديثهما محل اهتمام. وقد تكون حاجتهما إلى قرب أبنائهما أشد من حاجتهما إلى الهدايا؛ فالحضور الصادق يهب القلب طمأنينة لا يشتريها المال.

وحين يتقدم بهما العمر، تتأكد حاجتهما إلى الرفق والصبر وحفظ الكرامة. فقد تتكرر الأسئلة، وتضعف الذاكرة، وتثقل الحركة، وهنا يظهر صدق البرّ في سعة الصدر ولين الجانب. إن اليد التي أمسكت بنا ونحن نتعلم المشي تستحق أن نسندها حين تتعب، والصوت الذي هدّأ خوفنا يستحق أن نجيبه بلطف مهما تكرر نداؤه.

ومن البرّ أن نحترم رأيهما، ونستمع إلى تجربتهما، ونختلف معهما بأدب حين تختلف وجهات النظر. فالكلمة الطيبة تحفظ الود، والحوار الهادئ يتيح التفاهم، والاعتذار عند الخطأ يداوي ما قد تجرحه لحظة انفعال. وتزداد حاجتنا إلى هذا الوعي في زمن تزاحمت فيه المشاغل، حتى أصبح بعض الأبناء يجلس بجوار والديه، بينما ينصرف انتباهه كله إلى شاشة هاتفه.

ولا ينتهي الوفاء برحيل الوالدين؛ إذ يبقى الدعاء لهما، والاستغفار، والصدقة عنهما، وصلة رحمهما، وإكرام أهل مودتهما. ولمن فقدهما، تبقى أبواب من البرّ يطرقها بمحبة، ويجد في الدعاء مساحة يسكب فيها شوقه: ﴿رَبِّ ارْحَمْهُمَا كَمَا رَبَّيَانِي صَغِيرًا﴾ [الإسراء: ٢٤].

فلنبادر إلى برّ والدينا ما دامت الفرصة قائمة، ولنجعل لهما نصيبًا ثابتًا من أوقاتنا واهتمامنا. فكم من كلمة محبة نؤجلها، وزيارة نرحّلها، واعتذار نحجبه، ثم نتمنى لو عاد بنا الزمن لنقدمها. وطوبى لمن أدرك قيمة القرب، فأحسن الصحبة، وأدخل السرور، وجعل الوفاء خُلُقًا يراه أبناؤه فيتعلمونه منه.

اللهم احفظ من بقي من والدينا، وألبسهم ثوب الصحة والعافية، وارحم من رحل منهم، واجزهم عنا خير الجزاء، وأعنّا على برّهم والإحسان إليهم أحياءً وأمواتًا.

للتواصل : badriya-10-11@ hotmail.com

غرفة الأخبار

مسؤول النشر والتدقيق 1

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى