حين تتكلم الأيدي… وتصمت الوجوه **قراءة في عمل فني لياسر صالح حلواني

✍️ خلف سرحان القرشي – كاتب ومؤلف سعودي :
بعض الهدايا تنتهي دهشتنا بها عند اللحظة التي نتسلمها فيها، وبعضها الآخر تبدأ حكايتها من تلك اللحظة، وتظل تمنحنا شيئًا جديدًا كلما عدنا إليها.
ومن هذا النوع كانت اللوحة الفنية التي تفضلت جمعية الثقافة والفنون بجدة بإهدائها إليّ، وهي من أعمال الفنان ياسر صالح حلواني.
ولأن قيمة الهدية لا تُقاس دائمًا بثمنها، وإنما بما تتركه في النفس من أثر، فقد وجدتني أمام هذه اللوحة أتجاوز مشاعر الامتنان إلى رغبة في قراءتها، لا بوصفها عملًا فنيًا جميلًا فحسب، وإنما نصًا بصريًا يختزن حكاية إنسانية تستحق أن تُروى.
وقبل أن أمضي في هذه القراءة، يطيب لي أن أتقدم بخالص الشكر والتقدير إلى جمعية الثقافة والفنون بجدة، والقائمين عليها، على هذه اللفتة الكريمة، وما تعكسه من تقدير للفن وأهله، وحرص على مد جسور التواصل بين المبدعين ومحبي الفنون.
والشكر موصول إلى الفنان ياسر صالح حلواني، الذي استطاع بعدسته أن يمنح مشهدًا مألوفًا من حياتنا الشعبية أبعادًا جمالية وإنسانية تستحق التأمل.
**حين تصبح الأيدي حكاية**
توقفت أمام اللوحة طويلًا.
رجل منهمك في صناعة قطعة جلدية، تحيط به أدواته وقصاصاته وأحزمته، وتتقاطع من حوله الأشياء في فوضى تبدو للوهلة الأولى عشوائية، لكنها بالنسبة إليه عالم يعرف تفاصيله ويألف زواياه.
لا نرى وجه الرجل، ولا نعرف عمره، ولا اسمه، ولا عدد السنوات التي أمضاها بين الجلود والمطارق والمقصات.
ومع ذلك، نشعر أننا نعرفه!
وهنا تحديدًا تكمن إحدى جماليات العمل.
فالفنان لم يجعل الوجه، كما جرت العادة في تصوير الإنسان، مركز التعبير، وإنما استبعده من المشهد، ومنح اليدين بطولة الصورة.
يد تثبّت الأداة فوق الجلد، وأخرى تمسك بالمطرقة، وفي المسافة الصغيرة بينهما تتشكل حكاية طويلة من الصبر والخبرة والمهارة.
ولعل أجمل ما في هذا الاختيار أنه ينقل اهتمامنا من السؤال: من هذا الرجل؟ إلى سؤال آخر أكثر عمقًا: ماذا صنعت هاتان اليدان طوال حياتهما؟
كم مرة أمسكتا بالمطرقة؟ وكم حزامًا مر بين أصابعهما؟ وكم قطعة جلد تحولت على يديهما من مادة صماء إلى شيء نافع وجميل؟
أسئلة لا تجيب عنها الصورة، لكنها توقظها في داخلنا.
وهذا بعض ما يميز العمل الفني الجيد؛ أنه لا يكتفي بما يمنحنا من إجابات، وإنما يفتح أمامنا أبوابًا جديدة للأسئلة.
**فوضى الأشياء… ولغة الضوء والظل**
في اللوحة تتجاور الألوان والخامات على نحو لافت.
الأحمر القاني في النسيج الشعبي المزخرف، والأسود في الأحزمة الجلدية، والبني بدرجاته المختلفة، وبياض ثوب الحرفي، ولمعان الأدوات المعدنية وسط كل ذلك.
ولعل النظرة العابرة ترى ازدحامًا بصريًا يصعب الإمساك بتفاصيله دفعة واحدة، لكن العين، حين تتأنى، تكتشف أن لهذه الفوضى نظامها الخاص.
لقد اختار الفنان زاوية تصوير علوية أتاحت له أن يجعلنا شهودًا على تفاصيل الورشة، لا مجرد متفرجين على صاحبها.
وللضوء هنا حضوره أيضًا.
فالإضاءة تكشف تفاصيل الجلود وخشونتها، وتبرز بياض الثوب وحركة اليدين، بينما تمنح الظلال المتسللة بين الأدوات والقصاصات المشهد شيئًا من العمق، وتخفف من تسطيح الأشياء المتجاورة.
ولا يقوم جمال الصورة على صراع حاد بين الضوء والظلام، بقدر ما يقوم على تآلفهما مع الألوان والخامات.
ولعل في ذلك ما يستدعي تأملًا أبعد؛ فنحن نرى ما يقع عليه الضوء، لكننا لا نعرف دائمًا الحكايات التي تقف وراءه.
وما هذه اليدان الظاهرتان أمامنا إلا آخر ما تكشفه الصورة من رحلة طويلة لا نرى بدايتها.
وقد استوقفتني كذلك العلاقة بين بياض الثوب وخشونة الجلود، وبين دقة الحركة وصلابة المطرقة، وبين سكون الصورة وما نتخيله من أصوات العمل.
تكاد تسمع صوت المطرقة وهي تهبط، واحتكاك الجلد بالأداة، وحفيف القصاصات حين تتحرك.
وهنا تتجاوز الصورة حدود البصر، وتدعونا إلى استحضار ما لا تستطيع إظهاره.
**الزمن المختبئ بين اليدين**
لعل أكثر ما أثار تأملي في هذه اللوحة أنها تقدم لنا لحظة واحدة، لكنها توحي بزمن طويل.
فنحن لا نعرف متى بدأ الرجل عمله ذلك اليوم، ولا متى سينتهي، لكننا نستطيع تخيل سنوات مضت وهو يكرر هذه الحركات حتى أصبحت جزءًا من ذاكرته الجسدية.
ثمة معرفة لا تختزنها الكتب وحدها، ولا تستطيع الكلمات نقلها كاملة.
إنها المعرفة التي تسكن الأصابع.
أن يعرف الحرفي مقدار القوة التي تحتاج إليها المطرقة، والمسافة التي ينبغي أن تفصل بين ثقب وآخر، وموضع القطع، واللحظة التي يتعين عليه فيها أن يتوقف.
هذه التفاصيل الصغيرة حصيلة خبرة تراكمت عبر الزمن.
ومن هنا تبدو لي اليدان في الصورة أشبه بكتاب مفتوح، كُتبت صفحاته بالتجربة والتكرار والصبر.
وإذا كانت الوجوه تكشف شيئًا من أعمار أصحابها، فإن الأيدي تكشف شيئًا من أعمار المهن التي عاشوها.
**الحرفة… حين تصبح ذاكرة مكان**
وهنا يأخذنا العمل إلى سؤال يتجاوز حدوده الفنية:
ماذا يحدث للحرف التقليدية حين يرحل أصحابها؟
نحن لا نفقد برحيل الحرفي إنسانًا كان يصنع الأحزمة أو غيرها من المصنوعات فحسب، وإنما قد نفقد معه معرفة لا تستعاد بسهولة، ومهارة انتقلت من جيل إلى جيل، وعلاقة خاصة بين الإنسان والمادة التي يشكلها بيديه.
لقد استطاعت المصانع الحديثة أن تنتج ما يفوق قدرة الحرفي الفرد، وأن توفر الأشياء بسرعة أكبر وتكلفة أقل.
وهذا تطور طبيعي لا ينبغي النظر إليه بعين الرفض أو الحنين المجرد إلى الماضي.
لكن السؤال الذي يستحق التأمل هو: ماذا نخسر حين تختفي الحرفة، حتى لو بقي المنتج؟
أحسب أننا نخسر شيئًا من الحكاية.
فالحزام الذي تصنعه الآلة يؤدي وظيفته، وكذلك الحزام الذي يصنعه الحرفي، لكن الثاني قد يحمل، إلى جانب وظيفته، أثر اليد التي صنعته، وخبرة صاحبها، وشيئًا من ثقافة المكان الذي نشأ فيه.
ومن هذه الزاوية، لا تبدو اللوحة مجرد تسجيل بصري لمهنة تقليدية، وإنما وثيقة ثقافية تحفظ جانبًا من الذاكرة الإنسانية.
ولعل من أجمل وظائف الفن أن يمنح الأشياء المهددة بالنسيان فرصة أخرى للبقاء.
**وأخيرًا…**
أعود إلى اللوحة التي أهدتني إياها جمعية الثقافة والفنون بجدة، وأجدني أفكر في المسافة بين من يصنع الشيء، ومن يلتقط صورته، ومن يتأمله بعد ذلك.
ثلاثة أشخاص قد لا يعرف أحدهم الآخر، لكن العمل الفني يجمعهم في حكاية واحدة.
الحرفي يمنح الجلد شكله، والفنان يمنح اللحظة بقاءها، والمتلقي يمنح الصورة حياة جديدة حين يقرؤها بعينيه وذاكرته ومشاعره.
لقد أهدتني الجمعية لوحة، لكن اللوحة أهدتني حكاية.
حكاية رجل لم أرَ وجهه، ومع ذلك شعرت أنني أعرفه.
وحرفة لم أمارسها، ومع ذلك وجدت في تفاصيلها شيئًا من ذاكرة الأماكن التي عرفناها، والأيدي التي كانت تصنع أشياءنا الصغيرة قبل أن تتكفل المصانع بصناعتها.
والشكر مجددًا لجمعية الثقافة والفنون بجدة على هذه الهدية الجميلة، وللفنان ياسر صالح حلواني الذي جعل من لحظة عابرة في حياة حرفي مجهول حكاية مفتوحة على التأمل.
ولعل هذا هو الفرق بين الصورة التي نراها ثم نمضي، والصورة التي تظل معنا حتى بعد أن نغادرها.
الأولى تحتفظ بملامح الأشياء.
أما الثانية، فتوقظ فينا شيئًا من ملامح أنفسنا.



