كتاب الرأي

بين استيعاب الأفكار والانقياد للأوامر

         ✍️بندر العصيمي – كاتب سعودي :

عندما نتلقّى الأفكار، فإننا نلتقطها ونختبرها، ونحاول أن نقطف ثمارها؛ لتكون جزءًا من منظومتنا المعرفية، بعد أن نُخضعها لمعطيات العقل وأدواته في الفهم والتحليل والمقارنة والتمحيص والنقد، والبحث عن الدليل والبرهان. فالفكرة لا تكتسب صحتها لمجرّد شيوعها، ولا تصبح حقيقةً لمجرّد أن الآخرين قد اعتنقوها، وإنما تُوزن بما يسندها من حُجّة، ويؤيّدها من برهان؛ مصداقًا لقوله تعالى: ﴿قُلْ هاتُوا بُرْهانَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ﴾.
لكن ماذا يحدث حين لا تُقدَّم الأفكار إلى الإنسان بوصفها موضوعاتٍ للفهم والتدبّر، وإنما تُطرح عليه في صورة مسلّماتٍ لا يجوز مساءلتها، أو أوامرَ لا يُنتظر منه سوى الامتثال لها؟
هنا تتبدّل طبيعة العلاقة بالمعرفة؛ فبدلًا من أن يكون الإنسان باحثًا عن الحقيقة، يصبح متلقيًّا لما يُراد له أن يعتقده، وبدلًا من أن يُعمل عقله في فحص ما يُعرض عليه، يُدفع إلى التسليم به، وكأن صحّة الفكرة مستمدّة من مصدرها أو من شيوعها أو من مكانة ناقلها، لا من الدليل الذي يسندها.
وهكذا قد تتحوّل الفكرة، بفعل التلقين والتكرار وفرض المسلّمات، من موضوعٍ للتفكير إلى أمرٍ يُطلب التسليم به، ومن مجالٍ للبحث والنظر إلى إطارٍ مغلقٍ يُحاصر العقل ويحدّ من قدرته على السؤال.
وعندئذٍ لا يعود الخطر في مجرد تلقّي الفكرة، بل في الطريقة التي تُقدَّم بها، وفي تحويلها إلى قناعةٍ مفروضة قبل أن تتاح للعقل فرصة اختبارها.
وليس المقصود بذلك أن كل أمرٍ يستلزم طاعةً عمياء، أو أن كل ما يُطلب من الإنسان ينبغي أن يخضع للرفض والمراجعة؛ وإنما المقصود أن يتحوّل الامتثال إلى انقيادٍ أعمى حين يُعطَّل العقل عن التمييز، ويُمنع السؤال، ويُستبدل بالدليل سلطانُ التلقين، وبقناعة الإنسان المستبصرة تسليمٌ
لا يعرف لماذا يقبل، ولا على أي أساسٍ يعتقد.
إن الفارق بين الوعي والتلقين ليس في مقدار ما يحفظه الإنسان من الأفكار، وإنما في قدرته على فهمها، وتمييز صحيحها من سقيمها، ومعرفة مستندها، وإدراك ما تقوم عليه من أدلة.
فكم من فكرةٍ تتردّد على الألسن حتى تُعامل معاملة الحقائق،
وكم من مسلّمةٍ تكتسب حصانتها من طول تداولها، لا من قوّة برهانها!
ومن هنا تبرز أهميّة إعمال العقل، لا بوصفه أداةً للرفض لمجرّد الرفض، وإنما وسيلةً للتمييز والوصول إلى الحقّ؛ فليس كل موروثٍ باطلًا،
كما أن ليس كل شائعٍ صحيحًا، ولا يكون احترام المعرفة بإغلاق أبواب السؤال، بل بفتحها أمام الدليل، وإفساح المجال للنظر والتدبّر.
إن الإنسان لا يبلغ وعيه الحقيقي بكثرة ما يتلقّى، وإنما بقدر ما يفهم، ويمحّص، ويميّز، ويعرف لماذا يقبل ما يقبل، ولماذا يرفض ما يرفض. وحين تُصادَر هذه المساحة، وتُختزل المعرفة في التلقين، ويُختزل الاعتقاد في الامتثال، يصبح المرء عرضةً لأن يتبنّى أفكارًا لم يختبرها، ويدافع عن قناعاتٍ لم يتبيّن حُجّتها، لا لأنها ثبتت لديه بالدليل،
بل لأنها استقرّت في وعيه بفعل التكرار والتسليم.
وهنا تتجلّى خطورة انتقال الأفكار من فضاء التدبّر إلى قوالب التلقين؛ إذ لا يُحرم الإنسان من فرصة التفكير فحسب، بل قد يفقد القدرة
على إدراك أنه حُرم منها أصلًا.
فالمعرفة التي تُنير العقل تفتح له أبواب النظر، أما التلقين الذي يُغلقها فيُبقي الإنسان أسير ما لُقّن، ولو ظنّ أنه يمتلك الحقيقة.

غرفة الأخبار

مسؤول النشر والتدقيق 1

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى